الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

قصة اكتشاف د. أحمد فرحات لمكي بن أبي طالب القيسي (ت 437هـ)

شاركتُ يوم السبت 17 ذي القعدة 1437هـ الموافق 20 / 8 / 2016م في ندوة علمية عن «جهود الإمام مكي بن أبي طالب القيسي في القرآن الكريم وعلومه»، نظمتها جمعية المحافظة على القرآن الكريم بالأردن.

وقد كتبتُ بحثًا عن «شخصية مكي بن أبي طالب القيسي العلمية»، وتحدث الأستاذ الدكتور أحمد حسن فرحات عن قصة اكتشافه للإمام مكي بن أبي طالب عندما كان بصدد البحث عن موضوع مناسبٍ لرسالة الدكتوراه وهو يدرس في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر عام 1390هـ تقريبًا وما بعدها.

وقد جمعتُ ملخص ما قاله في هذه الندوة مع ما حدثني به في مجالس خاصة عن هذه القصة بما لعله يفيد طالب العلم.

يقول الدكتور أحمد فرحات: طفقتُ أبحث بعد الانتهاء من مرحلة الماجستير في البحث عن موضوع مناسبٍ للدكتوراه، وكنت حينها متعاقدًا للتدريس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة؛ فاستوقفني في كتب التراجم ترجمة مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 437هـ ولم أعثر له إلا على كتاب «الإبانة عن أصول القراءات» بتحقيق عبد الفتاح شلبي، مع أنهم في كتب التراجم ذكروا له تفسيرًا وكتبًا كثيرة، فبحثتُ عن أماكن وجودها فإذا ببعضها يوجد في المغرب وبعضها في القيروان وبعضها في إسبانيا وفرنسا وغيرها، وذلك من خلال فهارس المخطوطات المتاحة ذلك الوقت، فسألتُ عمّن يمكنه مساعدتي في الوصول لصورة بعضها في المغرب، فدلني أحد الأصدقاء على الشاعر عمر بهاء الدين الأميري الشاعر السوري المعروف وكان حينها مقيمًا في المغرب. فكتب إليه بطلب مساعدته في الوصول لمعلومات وافية عن وصف تلك المخطوطات ليتمكن من اتخاذ قرار في الإقدام على تسجيل موضوعٍ عن مكي بن أبي طالب، فأجابه لطلبه وتواصل مع القائم على خزانة المخطوطات في الرباط وفاس ووصله وصف جيد لنسخ تفسير مكي في المكتبات المغربية. وقد دفعه ذلك للبدء في الترتيب للسفر للمغرب للوقوف على المخطوطات بنفسه وتصويرها. وفعلًا تقدم بطلب لمدير الجامعة الإسلامية حينها الشيخ محمد العبودي بأن يوافق له على منحه تذكرة للسفر للمغرب من أجل هذا الغرض فوافق له على منحه تذكرته وتذكرة أسرته لتفي بقيمة التذاكر للمغرب له بمفرده، وسافر للمغرب ووقف على بعض مخطوطات التفسير وبعض كتبه الأخرى مثل كتابه «الإيضاح في الناسخ والمنسوخ» وغيرها من الرسائل الصغيرة التي حققها بعد ذلك، ووجد في مكتبات المدينة المنورة مخطوطة كتاب «الرعاية في التجويد» وحققه.

ورجع من هناك بهذه المخطوطات للمدينة المنورة، وقام بصياغة خطة علمية لبحثه الذي تقدم به للأزهر بعنوان «منهج مكي بن أبي طالب في التفسير» وبعد الاستشارة والتعديل أرسله للكلية طمعًا في قبوله، ولكنه بعد عرضه على مجلس القسم لم يوافق عليه بحجة أن المؤلف مغمور، ولا يستحق أن يكتب عنه رسالة دكتوراه، وكان في أعضاء المجلس عدد من العلماء الكبار من أمثال الدكتور محمد حسين الذهبي مؤلف «التفسير والمفسرون» حيث لم يَرَ حاجة إلى بحث منهج مكي، ولم يكن قد عرف كتابه في التفسير ولم يشر إليه في كتابه «التفسير والمفسرون»! فاضطر الدكتور أحمد فرحات للسفر إلى مصر لمحاولة إقناع أعضاء القسم بجدوى الموضوع، وقام بإجراء بعض التعديلات في الخطة، وعدل العنوان إلى «مكي بن أبي طالب وتفسير القرآن»، وذهب إلى الدكتور السيد أحمد الكومي أستاذ التفسير بالقسم وقتها، وعرض عليه الأمر، وقصّ عليه قصة بحثه وسفره وأقنعه بجدوى البحث، فطلب منه أن يتقدم في الغد للقسم مرة أخرى وهو سيقف معه وسيشرف عليه، وهكذا كان؛ فقد قبل القسم الموضوع، وتم تعيين الدكتور الكومي مشرفًا على البحث.

وقد بذل الباحث جهدًا مشكورًا في بحثه يدركه القارئ للبحث، وعندما تم تشكيل لجنة للمناقشة طلب من الدكتور محمد حسين الذهبي مناقشة الطالب ولكنه اعتذر؛ لأنه لا يرغب في مناقشة أي طالب من خارج مصر لسبب ذكره، فقال له الكومي: الرسالة بين يديك لو تكرمت تطّلع عليها، فإن رأيتها جديرة بالمناقشة فناقشها وإلا قبلنا عذرك وأعفيناك. فلما اطلع الذهبي على البحث أعجب به جدًّا ووافق. وذكر قصته هذه في أثناء المناقشة، وأثنى على الرسالة كثيرًا وقال: لقد عرفنا الباحث بمفسر لم أكن أعرفه وأُدرك قيمة كتبه وتفسيره.

كما أشار الدكتور محمد الذهبي إلى إعجابه بما كتبه الطالب في الفصل الذي رد فيه على مغالطات ابن الشجري التي خطّأ فيها مكي بن أبي طالب في مواضع كثيرة في إعراب القرآن، حيث تصدى الطالب للرد على ابن الشجري باقتدار؛ مما شكك الذهبي في قدرة الطالب على مثل هذا الرد، فبحث وسأل المتخصصين في النحو: هل سبق أن تصدى أحد للرد على ابن الشجري في نقده لمكي؟ فأجابوه أن لا. فعلم الذهبي أن الطالب باحث جاد قادر يحسن فهم هذه المسائل ويناقش أمثال ابن الشجري.

وقد أحببتُ ذكر هذه القصة ليستفيد طلاب الدراسات العليا؛ حيث إن المعاناة في اختيار موضوعات الرسائل مشكلة قديمة متجددة مستمرة، لا يتغلب عليها الباحث الجاد إلا بسعة الاطلاع، وحسن الغوص في كتب العلم الذي يتخصص فيه لاستخراج الموضوعات الجديرة بالكتابة والبحث.

وقد ذكر مثل هذه المشكلة أ.د. غانم قدوري الحمد العراقي في مذكراته المنشورة في ملتقى أهل التفسير، والمطبوعة بعد ذلك في كتاب، حيث لم يقع اختياره على الكتابة في رسم المصحف إلا بعد عناء وتردد، وهو اليوم من أجود المؤلفات في موضوع رسم المصحف، وهو قد سجله عام 1396هـ تقريبًا في كلية دار العلوم بالقاهرة.

وقد حدثني أ.د. أحمد فرحات أنه أحضر كلّ المخطوطات مصورة على ميكروفيلم، واشترى طابعة خاصة لطباعة الميكروفيلم حتى يتمكن من طباعتها بنفسه حيث كانت أرخص من أن يقوم بطباعتها لدى الجهات التي تملك مثل هذه الطابعة، وقام بنسخ كلّ مخطوطات مكي بيده، فكتب تفسيره كاملًا في عدة مجلدات، وبقية كتبه التي حققها، وهذا جهد كبير جدًّا مرهق لا يجد مثله الباحثون اليوم في ظل هذه التقنية الميسرة للتصوير والتبادل العلمي الإلكتروني.

وقد أثمرت جهود أ.د. أحمد حسن فرحات في الكشف عن مكي بن أبي طالب ثمارًا علمية كثيرة؛ حيث قام هو بدراسة موسعة عن مكي وترجمته ومؤلفاته ومنهجه في التفسير، والرد على اعتراضات ابن الشجري على مكي في مسائل نحوية كثيرة ذكرها مكي في كتابه مشكل إعراب القرآن، وقام بتحقيق عدد من كتب مكي بن أبي طالب كالرعاية في التجويد عام 1393هـ، فكان ذلك فتحًا في دراسة قيمته بين كتب التجويد، وحقق كتابه «الإيضاح في الناسخ والمنسوخ»، وحقق رسائله في كلا وبلى وإعرابها والوقوف عليها، وغير ذلك. وفتح الباب للباحثين لتحقيق كتبه الأخرى وتفسيره الكبير، وقام الباحثون خلال ما يقارب خمسين سنة بتحقيق العديد من كتب مكي، وبقي أكثرها مخطوطًا وبعضها مفقودًا حتى اليوم ينتظر الباحثين المخلصين للبحث عنه وتحقيقه والإفادة منه.

وأختم بالإشارة إلى أمر مهم وهو استشعار النية الصالحة في طلب العلم وبذله باستمرار؛ حيث إنّ الله سخر لمكي بن أبي طالب من ينفض الغبار عن علمه وكتبه من طلاب العلم في المشرق، وهو من علماء القيروان الذين استقر بهم المقام في قرطبة بالأندلس أقصى المغرب في حينه، وقد حدثني أ.د. أحمد فرحات أنه وجد في نفسه رغبة ملحة وشديدة في تكبد عناء هذا البحث لا يدري سببها، مع وفرة الموضوعات التي لم تبحث بعد مما هو أيسر مؤونة من هذا البحث وأقل مشقة، ولكن لعله لحسن نية مكي بن أبي طالب قيض الله له من طلاب العلم من يقوم على خدمته، وليس آخر ذلك التوفيق ما أقيم من الندوات والملتقيات ويقام عن جهود مكي بن أبي طالب في خدمة القرآن وعلومه، نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص والقبول والتوفيق في شؤوننا كلها.