الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

قواعد ومنطلقات في أصول الحوار وردِّ الشبهات

قواعد ومنطلقات في أصول الحوار وردِّ الشبهات

أهداني شيخي العزيز الدكتور علي بن حسن بن ناصر الألمعي -حفظه الله- يوم السبت 15/7/1414هـ كتاب «قواعد ومنطلقات في أُصولِ الحوار ورَدِّ الشبهات» للدكتور عبد الله بن ضيف الله الرحيلي، فقرأتُ الكتابَ حينها كلّه، وهو من توزيع دار المسلم بالرياض، وعدد صفحاته ليس بالكبير فهو يقع في ثنتين وسبعين صفحة من القطع الصغير، غير أنَّ عدم وجود مساحات واسعة للحوار في ذلك الوقت لم تُشعرني بقيمة الكتاب كما ينبغي، فلم يكن هناك مناسباتٌ يُتاحُ فيها الحوار العلمي الحقيقي إلا في النَّادرِ، وسائر الوقت أقضيه فيما يشبه العزلة التامة في مكتبتي، ولم يكن يشغلني عنها شاغلٌ من هاتفٍ ثابتٍ لصعوبة الحصول عليه حينها، أو جوال لعدم وجوده، أو قنواتٍ فضائيةٍ أو غيرها، فكانت الأوقات تَمُرُّ وهي تُشبه هُدوءَ السَّحَرْ.

ثم أعدتُ البارحة قراءة الكتاب في جلسة واحدة بعد مرور هذه السنوات، وبعد تغيرات كثيرة في جوانب الحياة العامة والخاصة، فوجدته كأنه كُتِبَ ليعالج كثيرًا من إشكاليات الحوارات العلمية على الإنترنت وغيرها، وكم من كتاب في المكتبة يحتاج إلى تكرار القراءة، وإطالة التأمل في فوائده.

فأحببتُ إعادة كتابة النقاط الرئيسة في الكتاب لنشرها رغبةً في الإفادة منها في حواراتنا، حيث إنني لمستُ في أكثر النقاط التي ذكرها ونبّه عليها أننا نقع فيها وفي أخطاء كثيرة في حواراتنا العلمية، فينبغي علينا جميعًا مراجعة طريقتنا في الحوار والنقاش في مسائل العلم، والحرص على تنقية الحوارات مما يشوبها ويقلّل من فائدتها بقدر الاستطاعة.

وهذا ملخصٌ لأبرز نقاط هذا الكتاب -جزى الله مؤلفه خيرًا-، أرجو أن ينفع الله القراء بها، ونرى أثرها في حواراتنا ونقاشاتنا، وقد جعل المؤلف كتابه في (34) فقرة، يوردها مجملةً ثم يضرب عليها أمثلة مختصرة، أو يبين مقصوده بها بعبارات وجيزة. وقد اقتصرت على العبارات المجملة في هذه النقاط، وهي واضحة بنفسها، ولن يعدم القارئ استحضار الكثير من الأمثلة على هذه النقاط التي يذكرها.

قال المؤلف الدكتور عبد الله بن ضيف الله الرحيلي -وفقه الله- في كتابه «قواعد ومنطلقات في أُصولِ الحوار ورَدِّ الشبهات»:

1- ينبغي أن يحترس الباحث من التأثّر الخفي الذي قد يحصل له بكثرة ترداد آراء المخالف وشبهاته, فإن لتكرار موضوعٍ ما ومعايشتِهِ, وكثرة القراءة حول وجهة النظر المخالفة أثرًا خفيًّا فعالًا، مهما كانت باطلة أو واهية. وكما أنه قد تؤثر الشبهات في نفس الباحث أو الداعي فقد تؤثر أيضًا في نفوس المخاطبين.

2- ينبغي أن يحترس المناقِش والباحث -عندما يتعرض لمجادلة المخالف- من التأثر الخفي الذي قد يعلق بالنفس من كثرة العِشرة والمخالطة والمعايشة, مما قد يجعله يتأثر ببعض شبهات القوم المجادَلين أو المخالفين, أو يستحسن بعض مقولاتهم الباطلة, أو تصرفاتهم الخاطئة.

3- لا يغيبن عن بالِ المناقِش للشبهات أنه كما يلزمه الدليل على رأيه, فإنه يَلزم مخالفه أن يقيم الدليل على رأيه أيضًا, فليكن اجتهادك غير منحصر في إقامة الدليل على رأيك فقط, ولكن يشمل مطالبة مخالفك بالأدلة الصحيحة على رأيه أيضًا, ولا يكن نظرك في المسألة أو في الموضوع مقتصرًا على أدلتك؛ بل يجب أن يشمل أدلة مخالفك أيضًا, ولا يكن لِوزْن أدلةِ القولين بميزانِ عدل, ليظهر الحق من الباطل, والحقُّ لا يضره البحث والتحقيق, بل ذلك من صالحه.

4- وانطلاقًا من القاعدة السابقة ينبغي لك إذا أوردت أدلتك في موضوع ما ثم رأيت أن مخالفك لا يقيم وزنًا لأدلتك, رغم أنها قوية واضحة, فلا يُحَيرْك ذلك, لأنه قد يُنكِر الأدلة كالشمس غير المنصف, ومن لا يريد الحق, وقد يورد عليها شبهات كثيرة جدًّا, وهذا ممكن جدًّا -لِعِدة اعتبارات يدركها الفَطِن- وعندما يحصل مثلُ هذا فسيكون له تأثيرٌ في نفس مخالفِهِ, فعليك أن لا تَسْتَسْلم للأثر الخفي لمثل هذا الموقف, بل تخطو الخطوة الأخرى, وهي النظر في أدلة المخالِف ووزْنها عِلميًّا, أو مطالبته بإيراد أدلته على ما ذهب إليه؛ لأنه لا يكفيه لإثبات رأيه أن يذكر رأيه أو شبهته فقط, بل لا بد أن يقيم عليها الدليل, ولا يكفيه أيضًا إقامةً لحجته أن يورد الاحتمالات على أدلتك, وليس بهذا وحده يقيم الدليل على نقيضها.

5- لا تنسَ التأدّب والرفق مع مخالِفك ومجادِلِك مهما اشتدت مخالفته لك, وليكن غضبك متعلقًا بخطئه لا بشخصه, ولتكن قسوتك على خطئه وما بِهِ من شرّ, لا على شخصه هو, فلعلّه حريص على الحق الذي أنت حريص عليه, ولكن أخطأ الطريق, وإنما يحتاج إلى هادٍ ومرشدٍ, وليس إلى مقرعٍ ومؤنب!

وإذا كانت المحاورة شفوية, فإياك والصراخ ورفع الصوت, فإن الحبال الصوتية لا تنوب عن الحجة القوية -كما يقال-!!

وما أقرب القلوب في حال التعامل معها بالرفق والأدب, وما أبعدها في حال التعامل معها بالشدة والغِلظة ومجانبة الأدب مهما كان الحق واضحًا في ذلك الجانب.

5- سَبُّك أو شتمك للمخالف لا خير فيه؛ لأنه لا ينفعك ولا ينفعه بل يضرك ويضره, وخَيْرٌ مِنْ شتْمه وأبلغ أن تقيم الحجة عليه بالدليل وتفحمه به بطريقة سهلة محببة للنفس, وإذعان المخالف للحقّ لا يتأتى بالمغالبة والمحاجة الفظة وشدة الخصومة, مهما كانت الأدلة واضحة؛ لأن تلك المغالبة من جانب الداعي للخير والحق تَصرف كثيرًا من الناس عن الحق والخير, إلا قلة من الناس تتجاوز العوارضَ الصارفةَ عن اتباع الحق, فإياك أن تتحمل وزر مَنْ تدعوهم وتجادلهم بسبب صَرْفِك لهم عن الحق بأسلوبك الفظّ.

6- عندما تجُادِل مَنْ تراه مجانبًا للحق والصواب, فإياك أن تتحمس لجزئية في منهجك, وتغلو فيها, فتتجاوز بها الدرجة التي يُحَدّدُها لها منهجُك الذي تحمستَ لها من أجله, فتقع -بسبب ذلك- في خطأ منهجي لا يقرُّك عليه منهجُك الذي تحمست لها من أجله. ولك أن تدرك خطأ هذا المسلك من خلال الأمثلة المتعددة التي تَعْرِض لك في تصرفات بعض الداعين إلى الحقّ والمجادلين عنه.

7- عليك أن تبدأ في مجادلة الخصم بالأمور الكبيرة وبالأصول, وأما الفروع فهي تبع لها, فلا تشتغل بها, ولا سيما في أول الأمر, ويخطئ من يشتغل بترقيع الفروع مع الخصم المخالف في حين أن الأصول لديه لم تَسْلَمْ بعد!

8- (التخْلِية قبل التحْلِية) -كما يقولون- فما لم تُفند ما عند المخالف من أوهام يظنها حججًا, فلا تطمع كثيرًا في إقناعه بما لديك من حق تدعوه إليه وتجادله في إقناعه, لأنه -ما لم تَخْط معه تلك الخطوة- فمهما اجتهدت في بيان أدلتك على صواب ما تدعوه إليه أو على أنه حق, فقد لا يتَوَصل بذلك إلى بطلان ما عنده. لكن ليس من اللازم أن تسلك معه هذا المسلك ابتداء, بل لعلّ من المناسب أو الواجب في بعض الأحيان أن تتجنب ذلك؛ لأن نفوس الناس مجبولة على النفْرة ممن يجرحها ويقابلها لأول وهلة بالتخطئة والنقد, فينبغي للداعي للحق والمجادِل عنه أن يقدم لذلك بمقدمة حسنة, والله الموفق.

9- لا تتجاوزِ الحق إذا جاءَك على لسان المخالف بحجة أن دعواه في جملتها باطلة, بل اعترفْ بالحق, وأَنْكِر الباطل, فلن يضرك الاعتراف بالحق, ولا يضر رأيك, ولا يُبطل حجتَك, بل إنه مما يقويك ويعظمك في نظر الآخرين بما فيهم المخالف.

10- تفنيدُ دليلٍ واحد من أدلتك أو إبطالُه من جانِب المخالف لا يعني أنه هو المنتصر, وأن رأيه هو الراجح؛ لأن ذلك لا يكفي حتى يسري البطلان على سائر أدلتك, بل الحجة ليست منحصرة في دليل واحد من الأدلة, بل الحجة في مجموع تلك الأدلة, بل من الخير لك أن لا تتمسك بالدليل الضعيف, فإنك بهذا قد تضعف الثقة بدليلك القوي. فلا يفتّ في عَضُدِك أن يُفَنّدَ دليل من أدلتك, فإن هذا قد يضعف ثقة المرء ببقية أدلته -ولو من طرف خفي- وإنما عليك أن تشمل الأدلة كلها بنظرك, فليست الحجة منحصرة في ذلك الدليل فقط.

11- ينبغي لطالب الحق -إن عرضتْ له محنة- أن لا يتطير مِنْ طَلبِ الحق, فيكون من الذين يعبدون الله على حرف... بل يجب عليه أن يصبر ويستبشر بفضل الله سبحانه، وأن يعلم أن للطريق هذا علامات، منها: الابتلاء والاختبار بالمحن وغيرها، نسأل الله السلامة والسداد.

12- احذر أيها الداعي للحقّ والمجادل من أجله أن تصرف الناس عن الحق بسلوكك وأخلاقك الخاطئة, مع انتسابك للشريعة أو العلم أو الدعوة, فما أكثر اقتداء الناس بالعالم في أخطائه -لموافقتها أهواءهم- دون صوابه, وما أكثر ما يحتجون بذلك!

13- ينبغي أن تحترس مما قد يَدخُل على نفسك من شعور خفي -وأنت تجادل المخالِف- من رغبة في انتصارك عليه حمية لنفسك لا للحق, فيلتبس عليك الأمر, لما تخدعك به نفسك من التظاهر باستصحابِ أصل النيةِ المخلصة التي حملتْك على المجادلةِ, فإنك إذا انخدعت بذلك تحولَتْ نيتُك لغير الله, وأصبحتَ تجادل عن نفسك لا عن الحق -وإن لم تشعر- فما أحراك بالهزيمة, وما أحرى عملك أن يُرَدّ عليك ولو انتصرت, نعوذ بالله من الخذلان في الدنيا ومن الخزي في الآخرة.

14- عندما تتصدى للرد على المخالف أو على الشبهات, قد يستولي عليك شعور خفيٌّ بضرورة التخلص مما يَعيبُهُ الخصم, قبل أن تتحقق من صدق دعواه بأن ذلك أمر يُعاب, فإياك أن تستسلم لمثل هذا الشعور, وإلا تكن قد استخدمْتَ عقل المخالف, بل ربما هواه مقياسًا للنظر في دينك أو منهجك من حيث لا تشعر!

15- تدعو الرغبة في تفنيد أوهام المخالف أو أخطائه إلى الاطلاع أولًا على مصادره والتعرف على أدلته, فإن تقصيرك في هذا قد يبدو كأنه قصور في أدلتك على ما تدعو إليه من حقٍّ, فعليك أن تدرك هذه الحقيقة, وأن تَعْلم أنه عندما يكون المخالِف أعلم منك بتخصصه -الذي يَلْزمك الاطلاع عليه كي ترد قوله من خلاله- فإنه سينكشف له ضعف اطلاعك على تخصصه, ولعله -بعد ذلك- أن ينخدع بهذا, فيقيس ضعفَك هذا على ضعفٍ منك يتخيلُهُ في إدراكك صوابَ ما تدعو إليه, فتكون أنت فتنةً له.

16- يجب أن تَتبعَ في المسائل الخلافية وغيرها قاعدة: (إيثار الحق على الخَلْق), فتتجاوز كلّ الأسباب والعوائق المانعة من تطبيق هذه القاعدة. وينبغي أن يكون الإنسان باحثًا عن الحقّ بصدق ونزاهة, فيسلك طريق الوصول إليه, ويحْتكم إلى الأدلة والقواعد الصحيحة, ويبتعد عن كلّ ما يصده عن الحق, وإن كان ممن يُحِبُّ أو من يربطه به نسب, أو أي علاقة أخرى, وعليه أن يُمحص رغبته في طلب الحق, صارفًا النظر عن إرضاء من لا يرضيه الحق. ولا ينبغي أن يكون هدفه إرضاء الصديق أو الموافق, فيكون كمن قال فيه أحد الفضلاء: شأنهُ شأن المحامين في المَحَاكِم, معيار الحق عند أحدهم مصلحة موكله!

17- ينبغي لمن يجادل غيره دعوةً للحق أن يتعرف على الأسباب الصارفة للإنسان عن إدراك الحق أو اتباعه ليبتعد هو عنها ويسعى في إبعاد غيره عنها.

18- ينبغي لمن يجادِل غيره أن يَعْلم أن الفرق قد يكون كبيرًا -موضوعيًّا ومنهجيًّا- بين قناعة الإنسان النفسية في أمرٍ ما, وبين دلالة الدليل على تلك القناعة. ومن الأخطاء التي يقع فيها كثير من الباحثين الخَلْطُ بين قناعته بوجهة نظر معينة وبين دلالة الدليل على ذلك الرأي.

19- عليك أن تعلم يا صاحب الحقّ أن من أهم عدتك في المحاجة العلمية للمخالفين الالتزام بالمنهج العلمي السليم في استدلالك ونقدك؛ لأن المنهج العلمي السديد من شأنه أن يؤيد الحق والصواب لا الباطل, والتزامك به يساعد في إظهار ما لديك من الحق وإيضاحه.

20- ينبغي أن تَعْلم أن الحق لا يضره البحث والتحقيق, بل ذلك من صالحه؛ لأنه يجليه ويزيده وضوحًا, ولا يُظهر فيه عيبًا أو خللًا طالما أنه حقّ, ولهذا لا ينبغي أن يخاف صاحب الحقّ من البحث والمناظرة أو من تحقيق الآخرين أو تثبتهم, لكن عليه أن لا يضر الحق بضعفه بسبب تفكيره, أو خطئه أو جهله, أو عدم تمكنه من معرفة الحق. إن المتضرر الوحيد من البحث والتحقيق هو الباطل وكذلك صاحب الباطل إذا كان متعصبًا له غير راغبٍ في الحقّ.

21- ينبغي أن يَعْلم صاحب الحق المُجادِل عنه بأَنَّه قد تُواجِهه شبهةٌ واهيةٌ متدنيةٌ في السخف يَرُدُّ بها صاحبُها الحقَّ, ومع ذلك فقد تؤثر نوع تأثير في نفس صاحب الحقّ؛ لأنه عندما يَنْظر في هذه الشبهة من حيث هي يجدها تنقض دعواه, وعندما يَنْظر فيها للردّ عليها لا يسعفه الردّ لتدنيها في السخف, ولا شك أن مثل هذا يصعب الرد عليه بأسلوب علمي؛ لأن للعلم والأدلة العلمية مجالًا وللتخرصات والأوهام مجالًا.

22- ينبغي لصاحب الحقِّ إذا واجهتْهُ شبهة واهية يصعب ردها -لتدنيها في السخف- أن يَعْلم أن تلك الشبهة ليست دليلًا لردّ الحق أو لتركه, ومن أسباب ذلك أنه ليس كل إيراد يرد, ولا كلّ إيراد يستحق الرد, وليس مثل تلك الإيرادات مُحْتَكَمًا, إنما المُحْتكَم في هذا نصوص الوحي, والعقل المتزن.

23- ينبغي لصاحب الحقّ أن يَعْلم أنه ليس كلّ شبهة يلزم الرد عليها بأسلوب آخر غير الأسلوب العلمي.

24- لا يوقعنك حماس الرد على المخالِف أو صاحبِ الشبهة في إنكار شيء ثابت من دينك, فكثيرًا ما يوقع الحماس في مثل هذا, من حيث يشعر المرء أو لا يشعر.

25- ينبغي أن تَعْرِف الرجال بالحق, لا أن تَعْرف الحق بالرجال؛ لأن الرجال يخطئون أو لا يَثْبتون دائمًا, ولأن الرجال يموتون, ولكن الحقّ ثابت لا تعتريه تلك العوارض.

26- لا يصرفْك صلاح الرجل عن التحقيق في صحة منهجه كما أنه ينبغي أن لا يصرفك صحة منهج الرجل عن النظر إلى مدى صلاحه وإخلاصه؛ إذ إنه لا بد من الأمرين معًا: صلاح النية، وصحة المنهج.

27- النفي والإثبات لا يصحان إلا بدليل, ولا دليل إلا ما يَثْبتُ به العلم, سواء بالنسبة لنفي الأشياء أو الأحكام وإثباتها, وسواء كانا متعلقَيْن بأمور الدنيا أم بأمور الدين, وسواء كانا نفيًا أو إثباتًا متعلقين بالنقل أم بالعقل. فلا بد من أن يكون نفي النافي بدليل يصح سواء أكان بدليل النقل الصحيح أم بدليل العقل الصحيح, ولا بد أن يحكون إثبات المثبت بدليل يصح.

27- مما ينبغي أن يتنبه له المناقِش للشبهات ومن يجادل المخالفين -بعد ثبوت دليل المخالف- التعرّف على الغرض من الاستدلال بالدليل الصحيح, وهل هو استدلال صحيح؟ أو هل المخالِف ساق الدليل الصحيح لغرضٍ صحيح؟ إن كثيرًا من الناس لا يحسنون التعامل مع الأدلة الصحيحة في ذاتها من حيث هي نصوص أو روايات ونقْل، إن من الناس من لا يفهم الدليل الصحيح في ذاته فهمًا صحيحًا, فيستدلّ به على ما لا يدل عليه! ومنهم من يستغل الدليل الصحيح في ذاته استغلالًا سيئًا, فيسعى إلى تمرير شبهته أو رأيه الخاطئ عن طريق ذلك الاستغلال السيئ للدليل!

29- تحرير محلّ النزاع ومحلّ البحث والنظر في باب المجادلة والحوار والنقاش من أهم القواعد التي يجب اتباعها؛ لأنه لا يصح أن يكون الجدال فيما ليس فيه خلاف في الحقيقة بين الطرفين! كما لا يصح أن يجري الجدال والنقاش أو الحوار بين الطرفين في مسألتين مختلفتين كلّ منهما يقصد بجداله إحداهما في آن واحد! ولا يُنْقِذ من هذه المضحكات إلا قاعدة تحرير محل النزاع أو البحث والنظر.

30- ناقشْ نفسك قبل مناقشة الآخرين, فإن هذا من علامات التجرد للحق. فابدأ أولًا بسؤالك نفسك عن أدلة رأيك, لترى هل عندك أدلة تُثْبتُ بها ما تذهب إليه أم لا؟ فإن بدتْ لك أدلة ناقشْ فيها نفسك لترى هل يصح لك الاستدلال بها أم لا؟

31- من المتعيّن على المرء المسلم الرجوع إلى الكتاب والسنة والصدور عن حكمهما وترسّم هديهما في كلّ شيء, ومن هنا فإن عليه في هذا الباب أن يعود إلى نصوص الكتاب والسنة وما ورد فيها من محاورات وجدل ومسالك استنباط واستدلال, فيراعي ذلك ويطبقه عمليًّا. ولكن هذا متوقف -بعد الإيمان- على التدبر ومنهج الفهم.

32- الرجوع إلى قواعد أصول الفقه ومنهج الاستنباط وقواعد اللغة وأساليبها ودلالاتها على المعاني ومراعاة ذلك كله والإفادة منه في باب الحوار والجدل أمر له أهميته, فينبغي للباحث والمشتغل بهذا المجال أن يُعْنى به نظريًّا وعمليًّا.

33- ينبغي لطالب الحقّ والداعي إليه الحذر من الخطأ الشائع الذي يقع فيه كثير من المتحاورين, وهو الالتقاء ليرد كلٌّ منهم على الآخر, وليس ليتعرفا على الصائب من الرأيين! ومِثْلُ هذا الخطأ لا يصح أن يكون هدفًا دائمًا، بل هو سبب اشتداد الخلاف بين المتحاورين وعدم توصلهما إلى نتيجة.

34- إذا جادلت وجاهدت فانتصرَ الحقُّ على يديك فإياك والغرور والرضا بمدح الناس لك ثمنًا أو أجرًا ورؤيتك عملك, فإن ذلك محبِطٌ له, ورضاك بذلك ثمنًا لجهدك خسارة لك في الدنيا وفي الآخرة, والشيطان حريصٌ عليك منذ أن بدأت العمل, فإذا لم يظفر بك في كلّ أحوال العمل, فإنه حريص ويرضى منك في الوقت نفسه بمثل هذه النهاية!! فإياك أن ترضى بما يسخطه الرحمن ويرضاه لك الشيطان, والله المستعان!

8/12/1431هـ .