الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

فائدة في معنى «الربانيين» من تفسير الطبري

فائدة في معنى «الربانيين» من تفسير الطبري

كم كنتُ أتمنى أن يتمّ الكتاب الذي وعد به الشيخ محمود محمد شاكر -رحمه الله- في بداية تحقيقه لتفسير الإمام الطبري -رحمه الله-، حيث وعد بأن يكتب كتابًا مستقلًّا يبين فيه منهج ابن جرير الطبري في التفسير، ولكن حالت دون ذلك حوائل، ومات
-رحمه الله- وما رأينا ذلك الكتاب، وقديمًا قيل: كمْ قطعَ تطلّبُ الكمال الكثيرَ من جلائل الأعمال!

وأذكر هنا فائدة من تفسير الطبري:

تجد في تفسيره -رحمه الله- كلامًا في اللغة قلّ أن تظفر به في كتب اللغة العربية ومعاجمها، وأضرب لذلك مثالًا عند تفسيره للآية رقم (79) من سورة آل عمران في تفسير قوله تعالى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ}[آل عمران: 79] بعد ذكره لأقوال المفسرين.

 قال أبو جعفر: «وأولى الأقوال عندي بالصواب في (الربانيين) أنهم جمع (ربَّاني)، وأن الرَّبانيِّ المنسوب إلى (الرَّبَّان)، الذي يَربُّ الناس، وهو الذي يصلح أمورهم، ويربها، ويقوم بها… فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا = وكان الرَّبَّانُ ما ذكرنا، والرَّبَّانيُّ هو المنسوب إلى من كان بالصفة التي وصفتُ = وكان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين يربُّ أمور الناس، بتعليمه إياهم الخير، ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم = وكان كذلك الحكيم التقي لله، والوالي الذي يلي أمور الناس على المنهاج الذي وليه المقسطون من المصلحين أمور الخلق، بالقيام فيهم بما فيه صلاح عاجلهم وآجلهم، وعائدة النفع عليهم في دينهم، ودنياهم = كانوا جميعًا يستحقون أن يكونوا ممن دخل في قوله -عز وجل-: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ}. فالرَّبَّانيُّونَ إذًا، هُم عِمَادُ النَّاسِ في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا.

ولذلك قال مجاهد: «وهمْ فوق الأَحبارِ»؛ لأن «الأحبار» هم العلماء. و«الرباني» الجامع إلى العلم والفقه، البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دنياهم ودينهم». اهـ. [الطبري بتحقيق شاكر 6/ 543-544].

وقد علَّق على هذا الكلام الشيخ أبو فهر محمود محمد شاكر -رحمه الله- بقوله: «هذا التفسير قلَّ أن تجده في كتاب من كتب اللغة، وهو من أجود ما قرأتُ في معنى الرباني، وهو من أحسن التوجيه في فهم معاني العربية، والبصر بمعاني كتاب الله. فرحم الله أبا جعفر رحمة ترفعه درجات عند ربه».

قلتُ: ورحمَ اللهُ الشيخ أبا فهرٍ فقَلَّ مَن يتنبهُ لفضل أمثالِ هؤلاءِ الأئمةِ، وقديمًا قيل: «لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل».

وفقنا الله للعلم النافع والعمل الصالح.