الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

فوائد ومسائل متفرقة من كتاب «معرفة القراء الكبار» للإمام الذهبي (ت748هـ)

فوائد ومسائل متفرقة من كتاب «معرفة القراء الكبار» للإمام الذهبي (ت748هـ)

كنتُ قد علقتُ كثيرًا من الفوائد والطرائف العلميّة والتاريخية، التي يشتمل عليها هذا السفر النفيس، التي دبجتها يراعة العلامة المؤرخ الفذّ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، المتوفى سنة (748هـ)، رحمه الله تعالى، وللذهبي في أثناء ترجمته للقراء وغيرهم وقفات علميّة وتربوية رائعة تدل على بصره الناقد، وبصيرته النافذة، وعلمه الواسع في علم الرجال.

وقد رأيتُ نفعًا لنفسي ولإخواني القراء أن أنقلها لكم، نفعنا الله وإياكم بما علمنا.

(1)

في ترجمة الإمام أُبَيّ بن كعب -رضي الله عنه- قال الذهبي:

«قلتُ: كان أُبَيّ بن كعب أقرأ من أبي بكر وعمر، وبعدَ هذا فما استخلفه النبي
- صلى الله عليه وسلم - على الصلاة، مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله...» الحديث، وهذا مشكلٌ»، [انظر: 1/31، طبعة بيروت].

غير أن الذهبي في النسخة الأخيرة من الكتاب عَقَّب بقوله بدل قوله: «وهذا مشكلٌ» بقوله: «وأجيب عن هذا الإيراد بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- استخلف الصديق على الصلاة؛ ليستقر في النفوس أهليته للخلافة الكبرى، إذ الصلاة أهم الدين)، [انظر: 1/113 طبعة تركيا، 1/11، طبعة مركز الملك فيصل].

وفي هذا النقل فوائد:

1- أنَّ المؤلفين لا يزالون ينقِّحون في كثير من مؤلفاتهم مِمّا يستدعي تغير بعض آرائهم واستنباطاتهم، وآخرها هو القول المعتبر الذي ينسب للمؤلف.

2- أَهميَّةُ جَمع نسخ المخطوطات للكتاب المحقق، وموازنتها حتى يظهر الكتاب في الصورة النهائية التي أرادها المؤلف أو قريبًا منها، ومن هنا تظهر قيمة الطبعتين التركية وطبعة مركز الملك فيصل للكتاب لتمامهما.

3- أَهميَّةُ الربطِ بين النصوص الشرعية المتفرقة في الموضوع الواحد حتى يصح الاستنباطُ؛ حيث ربط الذهبيُّ هنا بين أمرِ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يؤمَّ الأقرأُ في الصلاةِ، وكونِ أُبَيّ بن كعب أقرأَ من أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، وأَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ أبا بكر أن يؤمَّ الناس في الصلاة وفيهم أُبَيُّ بن كعب. وبالربط بين هذه الأحوال والأقوال يُستنبطُ الحكمُ الشرعيُّ في مثل هذه الحال.

(2)

قال الذهبي في ترجمة الإمام عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-:

«قد كان رأسًا في تجويد القرآن، مع حسن الصوت.

روى قرة بن خالد، عن النَّزال بن عمارة -وهو ثقة- عن أبي عثمان النهدي قال: صلى بنا ابن مسعود المغرب بـ{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، فلوددتُ أنه قرأ بسورة البقرة من حسن صوته، وترتيله) [انظر: 1/117، طبعة تركيا]، وهي أوفى النسخ في نقل هذا الخبر، حيث سقط بعضه في طبعة مركز الملك فيصل (1/14)، وسقط كله في طبعة بيروت.

وفي هذا النقل فوائد:

1- استحبابُ تَحسينِ الصوتِ بالقرآن عند التلاوة وإمامة الناس وسنيَّةُ ذلك، فعبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أخذ ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ونِعْمَ القُدوةُ.

2- تفاوت القرّاء من الصحابة في حسن الصوت وجَمالهِ، وعبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري من أجمل قراء الصحابة صوتًا -رضي الله عنهما-.

3- قراءة سورة الإخلاص في صلاة المغرب.

(3)

قال الذهبي في ترجمة الإمام زيد بن ثابت الأنصاري -رضي الله عنه- قال:

(حفص عن عاصمٍ عن أبي عبد الرحمن، قال: لم أُخالف عليًّا في شيء من قراءته، وكنتُ أجمعُ حَرف عَليٍّ، فألقى بِها زيدًا في المواسمِ بالمدينة، فما اختلفا إلا في (التابوت)، كان زيد يقرؤها بالهاء، وعلي بالتاء) [انظر: 1/120، طبعة تركيا]، وهي أوفى النسخ في هذا الخبر، فطبعة مركز الملك فيصل ناقصة في هذا الخبر (1/16)، وطبعة بيروت (1/38).

فالفرق بين القراءتين في كلمة (التابوت) في سورة البقرة، وهذا الفرق لا يظهر للقارئ حال الوصل، وإنما يظهر حال الوقف عليه، فإذا وقفت عليه بقراءة علي بن أبي طالب فقف بالتاء، وإذا وقفت عليه بقراءة زيد بن ثابت فقف بالهاء.

(4)

ذكر الذهبي في ترجمة أبي الدرداء عويمر بن زيد الخزرجي الأنصاري -رضي الله عنه- أنه قيل عنه: إن عبد الله بن عامر وهو أحد القراء السبعة قد قرأ عليه، ثم علّق الذهبي على ذلك فقال:

وهذا غير صحيح؛ لأنَّ ابنَ عامر لم يدرك ذلك، اللهم إلا أن يكون قرأ عليه سورة أو سورتين، وذلك أيضًا بعيدٌ. انظر: [معرفة القراء الكبار للذهبي (قولاج)، 1/124].

وقد توفي أبو الدرداء -رضي الله عنه- سنة اثنتين وثلاثين للهجرة، في حين ولد عبد الله بن عامر الدمشقي سنة إحدى وعشرين للهجرة النبوية بحسب القول الذي رجحه الذهبي، ولذلك استبعد الذهبيُّ أخذه عن أبي الدرداء؛ لأَنَّه يكون قد توفي أبو الدرداء ولابن عامر إحدى عشرة سنة، وهي سنٌّ صغيرة لا تؤهل ابن عامر -برأي الذهبي- أن يكون خليفة لأبي الدرداء في حلقته.

وهناك رواية أخرى عن خالد بن يزيد قاضي البلقاء، رجحها ابن الجزري في [غاية النهاية 1/425] وهي قوله: «سمعتُ عبد الله بن عامر اليحصبي يقول: ولدتُ سنة ثمان من الهجرة، في الحيانية ضيعة يقال لها رحاب، وقبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولي سنتان، وذلك قبل فتح دمشق، وانتقلتُ إلى دمشق بعد فتحها ولي تسع سنين» انظر: [أحاسن الأخبار في محاسن السبعة الأخيار لمقرئ العادلية عبد الوهاب المزي (ت768هـ) ص251].

فعلى هذه الرواية يكون لابن عامر من العمر حين وفاة أبي الدرداء أربع وعشرون سنة، وهي سنٌّ متقدمة تؤهله للأخذ عن أبي الدرداء وخلافته في حلقته بعد وفاته.

غير أن الذهبي قد قال عن رواية خالد بن يزيد هذه في [سير أعلام النبلاء 5/292]: «وهذا بعيدٌ، والصحيح ما قاله تلميذه الذماري من أن مولده سنة إحدى وعشرين».

فما هو القول الصحيح في هذه المسألة يا تُرى؟ فالمسألة تحتاج إلى مزيد بحث ومدارسة.

أسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.