الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

عبرات في وفاة مؤذن مسجدنا حمود بن كعرم

منذ طفولتي ارتبط الأذان في ذاكرتي بشخصيتين اثنتين: بلال بن رباح مؤذن الإسلام الأول رضي الله عنه، وحمود بن كعرم رحمه الله مؤذن مسجدنا في قرية الجهوة ببني بكر بالنماص، ولم يستطع مزاحمة عمي حمود بن كعرم في ذاكرتي بعده أحد، فلا علي الملا في الحرم، ولا محمد صديق المنشاوي في مصر، ولا غيرهم رغم فضلهم وشهرتهم،

حيث استمر مؤذناً في مسجدنا لأكثر من أربعين عاماً لم يقطعها إلا موته المفاجئ عصر الجمعة الماضي 2/4/1441هـ إثر حادث مروري بالقرب من منزله في قرية الجهوة، حيث أذن لصلاة الجمعة في جامع بني بكر الذي تولى الأذان فيه مؤخراً ربما منذ عشر سنوات، ثم ذهب بعد العصر لزيارة بعض أصدقائه المرضى في بيوتهم، وفي طريق عودته ليؤذن لصلاة المغرب بمسجد الجهوة انتهى أجله وتوفي رحمه الله عصر الجمعة.

 

ذكــرياتٌ فـاحــــتْ بريَّـا الـجِنــــانِ

 

فَـسَبـتْ  خاطـري وهَـزَّتْ  جَنـانــي

 

عُـمُـــرٌ  فـي   دقـيـقـــةٍ  مُـسـتـــعادٌ

 

ودُهــــورٌ   مُـطــــلـةٌ   مِـــنْ   ثـوانــــي

 

آهِ ويَــح الـغــريبِ مـاذا يُـقــاســي

 

مِـنْ عــذابِ الـنَّـوى وماذا يُـعـانـي!

لقد توفي بين أذانين، وترك فراغاً كبيراً، فلن نسمع بعد اليوم صوت حمود بن كعرم وهو يرفع الأذان، ومن كان ينتظره ليؤذن للإفطار في رمضان لن يسمعه بعد اليوم، إن فَقْدَ المؤذن ليس كفقد غيره، ولا سيما عندما يطول به العهد مؤذناً تتعاقب الأجيال على صوته، وهو ثابت يدعو الناس للصلاة خمس مرات في اليوم.
لقد أَلِفَتْ أذانُنا وأرواحُنا صوتَه، فأصبحت ترتاح لسماعه، وإذا سافرنا ثم عدنا من السفر نفرح بسماع صوته حتى أصبح جزءاً من حياتنا لا يكتمل جمالها إلا به، وهو لا يشعر بشيء من ذلك، فهو منهمك في أداء رسالته، والعالم من حوله يكبر على صوته، ويحن له، ويفقده إذا غاب. وكانت كلمة أمي رحمها الله:(بن كعرم أذّن) تتكرر علينا في المنزل لتذكرنا بالصلاة دائماً في كل فريضة، إنني أكتب هذا الآن وعيوني تترقرق بالدموع لفقده ولفقد كل تلك الذكريات التي عشتها في ظلال صوت أذانه.

لقد رجعت بي الذاكرة إلى طفولتي المبكرة وكان ذلك في أواخر التسعينات الهجرية، حيث كان مسجد الفروض في قريتي (الجهوة) مبنياً من الحجر، مسقوفاً بالجريد والطين، وإذا اشتدت الأمطار ربما تسرب الماء من خلاله لداخل المسجد.

وكان إمام المسجد الرجل الصالح عثمان بن رافع بن حامد البكري رحمه الله، وكان شيخاً صالحاً طاعناً في السن، كثير العبادة وقراءة القرآن فلا تكاد تراه إلا وهو يتلو القرآن في المسجد أو أمام منزله، ولم أدركه إلا على هذه الحال، وكان مؤذن المسجد حمود بن دشيش رحمه الله، وكان له أذان مميز بصوته المجرد قبل استخدام مكبرات الصوت، وقد تعلمتُ الأذان منه، وكنت ألحن في كلمة (حي على الصلاة) لأني كنت أسمعها منه (حي على التلاة)، إما لضعف تمييزي حينها، أو لعدم وجود مكبر الصوت، ولم أكتشف الخطأ إلا في الصف الثالث الابتدائي عندما أمرني مدير المدرسة أن أرفع الأذان لصلاة الظهر في مسجد الخالدية، فقلت : حي على التلاة! فطلب مني الإعادة، فأعدتها بصوت أقوى : حي على التلاة، فضحك واستوقفني وصحح لي ذلك. ولا أنسى فرحتنا ونحن صغار بتوزيعه "الفطرية" علينا ونحن صغار قبيل أذان المغرب في رمضان خصوصاً بيده، حيث كنا نتجمع عند المسجد قبيل أذان المغرب، فنبسط طواقينا ويملؤها بيده تمراً لكل واحد منا، وذلك في المسجد القديم قبل هدمه، ولم أعد أراها بعد ذلك في المسجد الجديد فسقى الله المسجد القديم!.

وعندما قرر جماعة المسجد إعادة بنائه على الطراز الحديث، هدموا القديم، وأصبحنا نصلي في مسجد القرية المجاورة ريثما ينتهي بناء المسجد الذي لم يتأخر كثيراً، وفي تلك الأثناء توفي مؤذن المسجد حمود بن دشيش رحمه الله، وأظن ذلك كان عام 1400هـ أو 1401هـ تقريباً أو قبل ذلك، وكان موته حدثاً لا أنساه في طفولتي، حيث شهدتُ كثرة وفود المعزين في ذلك الوقت، واستمر العزاء أياماً طويلة أظنها زادت عن الثلاثة أيام في تصوري، ولا أنسى كثرة الاحتفاء بالضيوف من المعزين حينها، واحتفاء قريتي بالمعزين وضيافتهم حيث كانوا يأتون من قرى بعيدة للعزاء.
وبعد وفاة المؤذن حمود بن دشيش رحمه الله تولى الأذان بعده حمود بن كعرم ولم ينقطع عن الأذان إلا مساء الجمعة الماضي ربما منذ أكثر من أربعين عاماً، تربينا خلالها على صوت أذانه الجهوري المميز، وقد قمتُ عام 1408هـ بتركيب مكبر صوت فوق حصن آل هزاع حتى يبلغ صوت الأذان لمنزلنا في شمال الجهوة حيث إن صوت المكبر فوق المنارة لم يكن يبلغنا بشكل جيد، وحتى تسمع أمي صوت قراءتي عندما أًصلي بالناس، وأظن هذا المكبر لا زال يعمل حتى اليوم.

لقد بقي العم حمود بن عبدالله (كعرم) بن رافع بن حامد البكري مواظباً على الأذان لا ينقطع عنه في شتاء ولا صيف، وهو كثير النظر في ساعته مراقبةً لوقت الأذان، ويجلس بعد الأذان يقرأ القرآن بصوته الجهوري، وقراءته العامية المحببة حتى تقام الصلاة، وله مصحف معروف لا ينازعه فيه أحد في المسجد، وأظنه لا يزال حتى الآن، قد ختم قراءاته مئات المرات، جعله الله شاهداً له يوم الحساب.

ولا أنسى ذات يوم من أيام الشتاء عام 1405هـ حينما توقف الإمام العم عثمان بن رافع عن الإمامة لكبر سنه ومرضه رحمه الله، وكنت حينها طالباً في الصف الأول المتوسط، وأرتدي عباءة كثيفة من شدة البرد، فقام عمي حمود بن كعرم بإقامة الصلاة، ثم تأخر وقدمني لصلاة المغرب، وأنا في غاية الذهول والصدمة من هذا الموقف، فلم أتقدم قبلها للإمامة قط، والمسجد فيه أبي وكبار الجماعة وعدد من أقراني، فترددت في التقدم للإمامة فصاح عليَّ بأن أتقدم، فتقدمت وأنا في غاية الذهول، وارتفعت درجة حرارتي فتصببت عرقاً من شدة الموقف، وأنا أرتدي العباءة أو الفروة كما نسميها فشعرت أنني في فرن، ثم كبرت للصلاة وصليتُ بالناس أول مرة بصعوبة بالغة، ولا أنسى ذلك الموقف وقد مر عليه الآن سنوات طويلة، لكنه كان موقفاً مؤثراً في حياتي، وبقيت أًصلي بالناس في ذلك المسجد حتى أنهيت المرحلة الثانوية، وأعود بعد ذلك في الإجازات فأًصلي كذلك. وكل ذلك في موازين حسنات عمي حمود بن كعرم رحمه الله الذي جرأني وأعطاني الثقة للإمامة مع صغر سني، وقلة معرفتي فجزاه الله عني خيراً وتقبل منه ورحمه برحمته الواسعة.

لقد جاء خبر وفاته علي كالصاعقة، حيث كان فجأة دون مقدمات، ومن تقدير الله أن بلغني خبر وفاته بعد المغرب وأنا في النماص مع بعض أشقائي في مناسبة اجتماعية، فتيسر لنا شهود الصلاة عليه، ودفنه، وكانت جنازته مشهودة، لكثرة محبيه في المنطقة. وقد فقدنا بموته رجلاً كريماً شهماً صالحاً، ارتبط في حياتنا بالأذان والصلاة، يدعونا إليها منذ طفولتنا، ولم نر منه منذ عرفناه إلا الصدق والمعروف والكرم، فقد ألفنا بيته لكثرة ما نكون ضيوفاً عليه في منزله لكثرة ضيوفه، وكنتُ كثيراً ما أوصله لحاجاته عندما لم يكن لديه من يوصله وأنا في المرحلة المتوسطة والثانوية، وبقي له في نفسي أجمل الذكريات.

وكان في شبابه بنَّاءاً محترفاً يبني البيوت بالحجر، ويحمل الصخور الثقيلة على ظهره وله في ذلك قصص وطرائف يرويها لنا أهلنا الذين عرفوه في شبابه، وله مع أبي معاضة بن حنش رحمه الله وعدد من أقرانهم من الجماعة مواقف كثيرة طيبة، وذكريات جميلة في التعاون والعيش بصفاء في بيئة زراعية تحتاج إلى التعاون وحسن التعايش، وحسن الجوار، وكنا في القرية كالأسرة الواحدة، فله ولغيره من كبار القرية ما لوالدي من المهابة والتقدير والطاعة لتوجيهاتهم وأوامرهم، وكلهم يمارس دور الأب في التربية، والمتابعة فجزاهم الله خيراً.

وقد ثبت أن المؤذنين أطول أعناقًا يوم القيامة؛ لحديث معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة)) [رواه مسلم].

ولو يعلم الناس ما في النداء لاستهموا عليه؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لو يعلمُ الناسُ ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا)) [متفق عليه].

لا يسمع صوت المؤذن شيء إلا شهد له، قال أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - لعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري: ((إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمعُ مدى صوت المؤذن جنٌّ ولا إنسٌ، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)) [رواه البخاري].

ويغفر للمؤذن مدى صوته وله مثل أجر من صلى معه؛ لحديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدَّم، والمؤذنُ يغفرُ له مدَّ صوته، ويصدقه من سمعه من رطبٍ ويابسٍ وله مثلُ أجر من صلى معه)) [أخرجه النسائي].

وعن ابن عمر أن رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - قال: ((من أذَّن ثنتَي عشرةَ سنةً وجبتْ له الجنة، وكتب له بتأذينه في كلِّ يومٍ ستونَ حسنةً، ولكلِّ إقامةٍ ثلاثونَ حسنةً))[ ابن ماجه، كتاب الأذان والسنة فيها، باب فضل الأذان وثواب المؤذنين، برقم 723، والحاكم في المستدرك، 1/ 205، وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، وقال المنذري في الترغيب والترهيب 1/ 111: ((وهو كما قال )). وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم 42، وفي صحيح ابن ماجه، 1/ 226.

اللهم اغفر لعبدك حمود بن كعرم ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وارفع منزلته عندك، وأحسن وفادته وضيافته يا كريم، واجبر مصابنا ومصاب أهله وأسرته بفقده، فقد عاش مؤذناً داعياً لإقامة الصلاة طيلة عمره، ومات وهو على العهد، أذن للظهر والعصر وزار إخوانا له في الله ثم قدم إليك وهو في طريقه للأذان.

وكتبه / أ.د.عبدالرحمن بن معاضة الشهري
الأحد 4/4/1441هـ