الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولًا: متى تم تقسيم القرآن الكريم إلى أجزاء وأنصاف؟

ورد التعبير بالجزء كما في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «قرأتُ جزءًا من القرآن»[1]، وقول عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-: «هذا جزئي الذي أقرأ به الليلة». وقول عائشة -رضي الله عنها-: «إني لأقرأ جزئي». ومثل ذلك عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.

وورد استعمال لفظ الوِرْد، كما في قول عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: «كنت في قضاء وِردي».

وهذه المسألة تعرف عند العلماء بتحزيب القرآن، وقد ورد فيها حديث عـبـد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-، الذي رواه جمعٌ من الأئمة بينهم الأئمة الستة[2]، ولفظ الإمام مسلم: كنتُ أصوم الدهر، وأقرأ القرآن كلّ ليلة، قال: فإما ذكرت لرسـول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإما أرسل لي، فأتيته، فقال: «ألم أُخبر أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كل ليلة؟» فقلتُ: بلى يا نبي الله؛ ولم أرد إلا الخير، قال: «فـإن بحـسـبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام...»، ثم قال: «واقرأ القرآن في كلّ شهر»، قال: قلتُ: يا نبي الله؛ إني أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في سبع، ولا تـزد على ذلك، فإن لزوجك عليك حقًّا، ولزورك عليك حقًّا، ولجسدك عليك حقًّا»، قال: فشددتُ؛ فشُدد عليّ، قال: وقال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لعلك يطول بك العمر»، فصرتُ إلى الذي قال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما كبرت وددت أني قبلتُ رخصة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وقد أشار الإمام السخاوي إلى أن معنى التجزئة والتحزيب ورد على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأنه قال: «طرأ عليَّ حزبي من القرآن»[3]، و«إنه قد فاتني الليلة جزئي من القرآن..»[4]، وذكر قصة جمع الحجاج بن يوسف للقراء والحفاظ في عهده، وسؤالهم عن عدد آيات القرآن، وعن منتصف القرآن وربعه وثلثه وغيرها. وقد استند على هذه الحادثة كثيرٌ من العلماء الذين كتبوا في تاريخ القرآن، وقالوا بأن أول من أحدث الأجزاء والأحزاب هو الحجاج بن يوسف الثقفي المتوفى سنة 110هـ.

وقال الزركشي في البرهان[5] عند الحديث عن تحزيب القرآن: وأما التحزيب والتجزئة فقد اشتهرت الأجزاء من ثلاثين كما في الربعات بالمدارس وغيرها. وقد أخرج أحمد في مسنده وأبو داود وابن ماجه عن أوس بن حذيفة أنه سأل أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حياته: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل من (ق) حتى يختم.

وتحدث ابن تيمية في مجموع الفتاوى (13/405) حديثًا طويلًا عن تحزيب القرآن، تحسن مراجعته إن أمكن، ذهب فيه إلى أن التحزيب بالسور أفضل من التحزيب الحاصل، والذي يقف فيه القارئ أحيانًا على مواضع مرتبطة بما بعدها، والبدء بمواضع لها تعلق بما قبلها، وأشار إلى سبق الحجاج إلى تجزئة القرآن بالحروف.

وقد ذكر السخاوي -رحمه الله- في «جمال القراء» في الكتاب الرابع منه «تجزئة القرآن» كلامًا طويلًا نافعًا عن تفاصيل أجزاء القرآن وأرباعه وأسباعه وأثمانه وغيرها بدقة ينتفع بها الحافظ لكتاب الله، ومن يرغب في حفظه بسهولة ويسر.

ثانيًا: هل هذا التحزيب والتقسيم توقيفي؟

الذي عليه العلماء -وهو الصحيح إن شاء الله- أن تجزئة القرآن وتحزيبه وقسمة الأرباع على الصورة التي توجد في مصاحف المسلمين اجتهادية، ولها أصل من فعل أصحاب
النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن على غير هذه القسمة، وكان السلف يختلفون في ذلك، وليس المعنى فيه تعبديًّا، وإنما هو لتيسير أخذ القرآن.

ثالثًا: من الكتب التي تحدثت عن ذلك:

- جمال القراء وكمال الإقراء، للسخاوي (1: 124 - 187).

- البرهان في علوم القرآن للزركشي.

- فتاوى ابن تيمية (13/405) وما بعدها.

- هناك بحث للشيخ محمد الدويش نشر في مجلة «البيان»، فصَّل فيه جوانب هذه المسألة.

وصلى الله وسلم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

[1] رواه أبو داود (1392)، وصححه الألباني.

[2] البخاري (1976)، ومسلم (1159)، والترمذي (2946)، والنسائي (2399)، وأبو داود (1388)، وابن ماجه (1346).

[3] رواه ابن ماجه (1345).

[4] أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (3/363).

[5] البرهان للزركشي (1/349).

الجواب:

للاستفهام أنواعٌ تعرف من خلال السياق، وقد أفاض علماء المعاني في دراستها، ولا يخلو كتاب من كتب البلاغة من الكلام عن الاستفهام وأدواته، وهم يعدّون الاستفهام نوعًا من أنواع الإنشاء الطلبي، ويعرِّفون الاستفهام بأنه طلب العلم بشيء لم يكن معلومًا من قبل بأداة خاصة من أدوات الاستفهام.

ولكن هذا الاستفهام قد يخرج عن الاستفهام المجرد إلى معانٍ أخرى، تعرف بالقرائن، ودلالة سياق الكلام، وهذه المعاني كثيرة؛ منها:

- النفي، مثل قوله تعالى: {فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ}، وقوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}.

- التعجب، مثل قوله تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ}.

- الإنكار، مثل قوله تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا}.

- التمني، مثل قوله تعالى: {وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ}.

- التقرير، مثل قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}، وقوله: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا}.

- التحقير، مثل قوله تعالى: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا}.

- الاستبطاء، مثل قوله تعالى: {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ}.

- الاستبعاد، مثل قوله تعالى: {أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ}.

- التهكم والاستهزاء، مثل قوله تعالى: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ}.

- الوعيد والتهديد، مثل قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ}.

- التحضيض، مثل قوله تعالى: {قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ}.

ولمزيد بيان حول الاستفهام التقريري والاستفهام الإنكاري:

الاستفهام التقريري: هو أن تطلب من المخاطَب أن يقرّ بِما يُسأَلُ عنه نفيًا أو إثباتًا، لأي غرض من الأغراض التي يراد لها التقرير؛ كالإدانة واللوم ونحو ذلك.

ومن أمثلته في القرآن الكريم ما تقدم من قوله تعالى للنبي -صلى الله عليه وسلم-: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}، يعني قد شرحنا لك صدرك يا محمد، وتقريره بذلك لكي يشكر هذه النعمة ويقدرها حق قدرها.

وكذلك في مخاطبة فرعون لموسى -عليه السلام-: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا}، يريد فرعون أن يقر موسى بذلك ليدينه بهذا، أي: كيف نربيك ثم تنقلب علينا ؟!

وكذلك في محاورة قوم إبراهيم -عليه السلام- له عندما حطم أصنامهم: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ}، وغرضهم من إقراره بهذا إدانته، والانتقام منه.

وقوله تعالى ممتنًّا على نبينا -صلى الله عليه وسلم-: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى}، فهو استفهام تقريري للامتنان على النبي -صلى الله عليه وسلم-. وغير ذلك من الأمثلة من كلام العرب شعرًا ونثرًا، ومن أجمل أمثلته في ذلك قول جرير -رحمه الله-:

أَلستمْ خير من ركب المطايا

 

وأندى العالمين بطون راحِ؟!

وأما الاستفهام الإنكاري: فهو يدل على أنّ الأمر المستفهم عنه أمر منكر، وقد يكون هذا الذي ينكره العقل أو الشرع أو العرف أو القانون أو غير ذلك.

وللاستفهام الإنكاري أنواع بحسب المراد بالإنكار؛ فقد يكون إنكارًا يراد به التوبيخ على أمر قد مضى، أو أمر قائم، أو إنكارًا للتكذيب وغير ذلك.

ومن أمثلته: قول موسى مخاطبًا أخاه هارون: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي}.

وقوله تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا}، ينكر عليهم إنكارًا فيه تكذيب لهم.

وقول نوح -عليه السلام- مخاطبًا قومه عندما دعاهم فكذبوه: {قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}[هود: 28].

ويجب في الاستفهام الإنكاري أن يقع الأمر المُنْكَر بعد همزة الاستفهام كما في الأمثلة، وقد يكون الأمر المنكَر -بفتح الكاف- هو الفعل كما في خطاب إبراهيم -عليه السلام- لأبيه: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً}، ينكر عليه ذلك.

وقول إبراهيم -عليه السلام- لقومه: {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ}.

وقد يكون المنكر هو الفاعل، كقوله تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ}، وقوله تعالى: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}.

وقد يكون المنكر هو المفعول، كقوله تعالى: {أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا}، وقوله تعالى: {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.

وقد يكون المنكر هو المفعول لأجله، كقوله تعالى: {أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ}.

وموضوع الاستفهام موضوع شيق، وقد بحثه علماء المعاني، وقد بحثه الدكتور محمد عبد الخالق عضيمة -رحمه الله-، في كتابه النفيس «دراسات لأسلوب القرآن الكريم»، وقد استقصى -رحمه الله- الأمثلة للاستفهام بأنواعه في القرآن الكريم، كما تعرض لبعضه أحمد بن فارس -رحمه الله- في كتابه «الصاحبي» عند حديثه عن بعض أدوات الاستفهام.

هناك كتابٌ ثمينٌ جدًّا تناول موضوع الاستفهام في القرآن الكريم كله بالدراسة، ولا سيما من الناحية البلاغية، وهو كتاب «التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الحكيم» للأستاذ الدكتور عبد العظيم بن إبراهيم المطعني -رحمه الله-، ويقع في أربع مجلدات، وقد طبعته مكتبة وهبة بالقاهرة. وقد تناول فيه بالدراسة والتحليل كلّ الآيات المشتملة على استفهام، مرتبًا لها بحسب ترتيبها في سور القرآن الكريم، وهو كتاب بديع، ومؤلفه ممن له قدم صدق في الدراسات البلاغية المتميزة للقرآن الكريم.

الجواب:

المقصود بالسبع المثاني هي سورة الفاتحة؛ للحديث الصحيح الوارد في ذلك عن أبي هريرة وأبي بن كعب وغيرهما -رضي الله عنهم-.

وعطف «القرآن» على «السبع المثاني» من باب عطف الكلّ على الجزء، أو عطف الكلّ على البعض، فالسبع المثاني هي بعض القرآن الكريم، وفي هذا إشارة إلى فضل سورة الفاتحة؛ فقد أفردت بالذكر لفضلها، وسميت بذلك لكونها تثنى وتكرر في الصلاة، وقيل في تسميتها بذلك غير ذلك، والله أعلم.

الجواب:

تناولت العديد من الكتب مصحف عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- بالحديث؛ أما من المتقدمين فقد كتب أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث المعروف بابن أبي داود في كتابه «كتاب المصاحف» عن مصاحف الصحابة، وأطال في مصحف ابن مسعود، وذلك في باب اختلاف مصاحف الصحابة من كتابه هذا (ص60- 102)، وعن مصحف ابن مسعود (ص 64- 82) في الطبعة القديمة، وفي (1/283- 339) من الطبعة التي حققها الدكتور محب الدين عبد السبحان واعظ، وفي تعليقات المحقق ما ينفعك في هذا الباب إن شاء الله. وتجد كلامًا عن مصحف ابن مسعود في كتاب «مقدمتان في علوم القرآن» الذي نشره آرثر جفري (ص 95).

ومن المعاصرين كَتَبَ الدكتور محمد أحمد خاطر كتابًا جيدًا بعنوان: «قراءة عبد الله بن مسعود؛ مكانتها - مصادرها - إحصاؤها»، ويقع الكتاب في (189) صفحة، وقد تعرض فيه لمصحف عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- (ص68-73) حيث تحدث عن مصحفه ومعالمه ونحو ذلك.

وهناك رسالتان قدمتا للماجستير بعنوان: «المروي عن ابن مسعود في التفسير - جمعًا ودراسة»، كتبها كلّ من: الباحث محمد بن إبراهيم السويد، والباحث محمد بن مرشود المرشود، بكلية أصول الدين بالرياض عام 1399هـ وعام 1403هـ، وقد تعرضا لهذه المسألة كذلك.

الجواب:

تفسير الكواشي هو «تلخيص تبصرة المتذكر وتذكرة المتبصر». ومؤلفه هو أحمد بن يوسف بن الحسن بن رافع الكواشي الموصلي، ولد سنة (590هـ) أو (591هـ)، وتوفي سنة (680هـ)، وقد برع في التفسير واللغة العربية والقراءات، وتفسيره دليل على ذلك.

وأما عقيدته فذكر مؤلفو الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء (1/454) أنه صوفيّ المعتقد والسلوك، والأمر يحتاج إلى تثبّت في الحكم على عقائد المسلمين.

وقد تم تحقيق هذا التفسير قديمًا (تقريبًا 1406هـ - 1407هـ) في قسم القرآن وعلومه بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض في عدد من رسائل الماجستير، والباحثون الذين قاموا بتحقيقه هم:

- فضيلة الشيخ الجليل الأستاذ الدكتور إبراهيم بن سليمان الهويمل -وفقه الله-، من سورة آل عمران إلى آخر سورة المائدة .

- فضيلة الشيخ الفاضل الدكتور فاضل بن صالح المحوي الشهري، رئيس قسم القرآن وعلومه بكلية الشريعة بجامعة الملك خالد، من أول سورة الشعراء إلى آخر سورة فصّلت.

- فضيلة الشيخ الفاضل الدكتور عبد العزيز بن محمد اليحيى، رئيس المركز الإسلامي ببروكسل حاليًا، من أول الشورى إلى نهاية التحريم.

- فضيلة الشيخ سعد بن محمد الدوسري، من أول سورة الرعد إلى نهاية سورة الفرقان.

- فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم الشيبان، من أول سورة الأنعام إلى آخر سورة يوسف.

- فضيلة الشيخ صالح الناصر السليمان الناصر، الجزء التاسع والعشرون والثلاثون.

- فضيلة الشيخ محمد بن عبد الله العيدي، المقدمة وسورتي الفاتحة والبقرة.

وقد أشرف على أغلب هذه الرسائل الدكتور الفاضل محمد صالح مصطفى -وفقه الله-.

الجواب:

تفسير البيضاوي «أنوار التنزيل أسرار التأويل» من أشهر كتب التفسير، ومؤلفه أصولي مشهور، تُعَدّ كتبه في الأصول وكتابه هذا في التفسير من الكتب التي كثر اشتغال العلماء بتدريسها وشرحها والتعليق عليها منذ صدورها وحتى وقتنا هذا.

وتفسير البيضاوي دقيق العبارة، ينتفع به الطالب المتوسط -إن شاء الله- إذا وجد من يحلّ له عباراته لدقتها، وقد كُتبتْ عليه مئات الحواشي والتقريرات؛ بل هو أكثر كتاب كتبتْ عليه الحواشي، حتى إنّ بعض العلماء ذكر أنه مرّ زمنٌ على العلماء في الدولة العثمانية لم يكن يمنح الطالب إجازة للتعليم والتدريس حتى يكتب حاشية على تفسير البيضاوي؛ ولذلك تجد الآن مئات المخطوطات لحواشٍ على تفسير البيضاوي، وللسيوطي حاشية عليه. فهو كتاب نافع مفيد مع التنبّه لما أوّل فيه البيضاوي -رحمه الله- من آيات الصفات.

والكتاب قد وضعه مؤلفه ليكون جامعًا لكتب التفسير قبله، وقد اختصر فيه تفسير الزمخشري، وأبعد منه الاعتزاليات التي في «الكشاف»، وإن كان قد تأثر به في بعض المواضع، وقلّده في أخطائه.

كما انتفع بكتاب الرازي «مفاتيح الغيب»، ولا سيما في الآيات الكونية، والمباحث الكلامية.

وأما طبعاته: فقد تبيّن لي بعد التتبع لطبعات تفسير البيضاوي الكثيرة أنها ضعيفة جدًّا، ولا تأمن أثناء القراءة للنصّ لكثرة السقط والخلل، ومن أَمْثَلِ الطبعات التي وجدتها: طبعة دار الرشيد ومؤسسة الإيمان ببيروت، التي حققها وعلق عليها محمد صبحي حسن حلاق، ومحمد أحمد الأطرش، وتقع في ثلاثة مجلدات كبار الحجم.

ثم تأتي بعدها طبعة دار إحياء التراث التي كتب مقدمتها محمد بن عبد الرحمن المرعشلي، وهي في مجلدين كبيرين في خمسة أجزاء، وهي غير مخدومة ولكن طباعتها لا بأس بها. ومثلها في الضعف والرداءة طبعة دار صادر في مجلدين، وهي غير مخدومة بأي حواشٍ، والنص مليء بالسقط، ولكن حرفها واضح. ثم تأتي طبعة دار الكتب العلمية في نفس المرتبة.

وما أحوج هذا التفسير النفيس إلى تحقيق علمي يليق به وبمكانته عند العلماء!

الجواب:

الجواب عن هذا الإشكال -والله أعلم- ظاهر من خلال الآيات، في قوله: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ}[الكهف: 63]، فكأنه أحسّ بأن الأمر من الأهمية بحيث لا يحتمل النسيان. ولكن لحكمة أرادها الله أنسى الشيطانُ يوشعَ بن نون ذكر هذا الأمر لموسى، كما أنسى صاحبَ يوسف في السجن تذكير الملك بقصة ظلم يوسف وسجنه بضع سنين، قال تعالى: {فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ}[يوسف: 42]، وكان كلّ ذلك لحكمٍ عظيمة.

الجواب:

«التيسير العجيب في تفسير الغريب» هو نظم يقع في (2482) بيتًا من بحر الرجز، وقد شرح فيه الناظم ألفاظ القرآن الغريبة من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، وجمع فيه بين الرواية والدراية، وأورد الآراء المختلفة في شرح الألفاظ الغريبة دون التنبيه على قائليها، واهتم فيه بالقراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول وغير ذلك من علوم القرآن.

وقد طبع هذا النظم في دار الغرب الإسلامي عام 1994م، بتحقيق الدكتور سليمان ملا إبراهيم أوغلو. وقد اعتمد في إخراجه لهذه المنظومة على نسختين جيدتين إحداهما كتبت في عهد المؤلف قبل وفاته بعشر سنوات وعليها خط المؤلف ومقابلة على نسخته، والأخرى جيدة ولكنها متأخرة 1153هـ .

فالكتاب صحيح النسبة لابن المنير أحمد بن محمد بن منصور بن قاسم بن مختار القاضي ناصر الدين المالكي الإسكندري، المتوفى سنة 683هـ، وهو صاحب كتاب «الانتصاف من الكشاف».

وأما عبد العزيز بن سعيد الدميري الديريني فقد توفي سنة 697هـ، أي بعد ابن المنير بأربعة عشر عامًا تقريبًا. وقد فرغ ابن المنير من النظم قبل وفاته بأكثر من عشر سنوات، أي سنة 673هـ، وهي نفس السنة التي انتهى فيها الديريني من نظمه أيضًا؛ حيث يقول في خاتمة منظومته في التفسير:

قد يسر الله بغير كلفه
عام ثلاث قبلها سبعونَ
نظمته في أربعين يوما

 

تمام نظمي لا عدمتُ لطفه
من بعــد ستمـــــــــائة ســـنينَ
ميقات إتمام الكليم الصوما

فهما متوافقان في وقت النظم كما يبدو، والله أعلم. وربما يكون ابن المنير قد سبقه بوقت يسير لا يعتبر سبقًا بائنًا، وكلاهما من أهل مصر -رحمهما الله-.

الجواب:

لا شك أنه وجدت محاولات لنظم علوم القرآن قديمًا وحديثًا، ولكن ليست بشهرة المنظومات في علوم الآلة المشهورة التي سارت بها الركبان، وتناولها العلماء بالشرح والتصحيح والمدارسة، وحظيت بالقبول عند الجميع كألفية ابن مالك في النحو مثلًا.

ولذلك فالمنظومات في علوم القرآن على قسمين:

1- قسم على هيئة ألفيات في غريب القرآن وتفسير ألفاظه على حسب ترتيب حروف الكلمات الغريبة وما يقرب منها، ومثال هذا القسم ألفية الحافظ أبي زرعة العراقي في غريب القرآن التي ابتدأها بقوله:

الحـــــــــمـــــــــد لله أتـــــــــم الحــــــــمــــــــد
وبـعـد: فـالعـبـد نـوى أن يـنظما
جـــمـــع أبـــي حــيــان وهــو رتــبــه

 

عــلى أيـاد عظمت عن عدِّ
غـريب ألفاظ القرآن عظما
تـرتيب أحرف الهجا وهذبه

فهو قد نظم كتاب أبي حيان في الغريب.

ومثالها كذلك المنظومة التي نظمها عبد العزيز الدميري الديريني (ت697هـ) في التفسير، والتي تقع في ثلاثة آلاف بيت وخمسمائة تقريبًا، وقد طبعت، وأولها:

يا رب أنت المستعان الكافي

 

الواحد الفرد الرحيم الشافي

 

إلى أن قال:

وبعدُ: فالتفسير أقوى سببِ
وكــــــلّ عــــــلم فــــــمـــــن القـــــرآن
وعـلم تـفـسـيـر الكتاب أعلى
لأنـــــه فـــــهـــــم كـــــتــــاب المــــولى

 

إلى العلوم وابتغاء الأرب
وفـيـه أصـل سـائـر المـعـانـي
مـا يـعـتـنـي المـرء به وأجلى
فـكان أوفى مطلب وأولى

ويسير في نظمه على هذه الطريقة السهلة، ثم تعرض لتفسير غريب القرآن حتى أتى عليها كلها فطالت المنظومة جدًّا حتى بلغت أكثر من ثلاثة آلاف، يقول في آخرها:

نـــظـــمــتــه فــي أربــعــيــن يــومــا
وكـنت أرجو أن يكون ألفا
وزاد حـتـى خـفـت أن أكـثـرا
ومـا شـفـى لي نـظـمـه غـليلا
لكن رجوت أن يكون بابا

 

ميقات إتمام الكليم الصوما
فـــزاد ضــعــفــًا ثــم زاد ضــعــفــا
فـصـرت أطـوي نشره مقصِّرا
لأنــــــــنــــــــي رأيــــــــتــــــــه قــــــــليــــــــلا
مــوصــلا يــســتــفــتــح الأبــوابــا

ومن أجملها وأخصرها منظومة للشيخ عبد العزيز الزمزمي -رحمه الله-، نظم فيها ما يتعلق بعلوم القرآن من كتاب «النقاية» للسيوطي، يقول في أولها:

تــــــبــــــارك المـــــنـــــزل للفـــــرقـــــان
مــــحــــمــــد عــــليــــه صـــلى الله
وآله وصــــــــحــــــــبـــــــه وبـــــــعــــــدُ
ضـمـنـتـهـا عـلمـًا هو التفسيرُ
أفــردتــهــا نــظـمـًا مـن النـقـايـة
واللهـــَ أســتــهــدي وأســتــعــيـنـُ

 

عــلى النـبـي عـطـر الأردان
مــع ســلام دائــمــًا يـغـشاه
فــهـذه مـثـل الجـمـان عقدُ
بــــدايــــة لمــــن بــــه يــــحــــيــــرُ
مــهــذبــًا ألفـاظـه فـي غاية
لأنــه الهــادي ومــن يــعــينُ

حد علم التفسير

عـلم بـه يـبـحـث عـن أحـوال
ونــحـوه بـالخـمس والخمسينا
وقــــد حــــوتـــهـــا ســتــة عــقــود
وقــبــلهــا لا بــد مــن مــقــدمـة
فــذاك مـا عـلى مـحـمـد نـزل
والســـورة الطـــائـفـة المـتـرجـمـة
والآيـــة الطـــائـــفـــة المــفــصـولة
مــنــه عــلى القــول بـه كـَتـَبَّتِ
بـــغـــيـــر لفـــظ عـــربـــي تـــحــرمُ
كــذاك بــالمــعــنــى وأن يـفسرا

 

كــــتــــابــــنــــا مــــن جــــهـــة الإنـــزال
قــــد حــــصــــرت أنـــواعـــه يـــقــيــنــا
وبـــــــعـــــدهـــــا خـــــاتـــــمـــــة تـــــعـــــود
بـبـعـض مـا خـصـص فيه معلمه
ومــنــه الاعــجــاز بـسورة حصل
ثـــــــلاث آي لأقــــــلهــــــا ســــــمــــــة
مـــن كـــلمـــات مــنــه والمــفـضـولة
والفــــاضــــل الذ مــــنـــه فـيــه أتــتَ
قــــــــراءة وأن بــــــــه يــــــــتــــــــرجــــــــــــــــمُ
بـــــــالرأي لا تـــــــأويـــــــله فــــــحــــــررا

ثم يواصل النظم لأبواب علوم القرآن، فيتعرض للمكي والمدني وأسباب النزول وأنواع نزول القرآن والنسخ والمبهمات وغيرها. وتقع هذه المنظومة في حوالي (160) بيتًا تقريبًا، وقد شرحها الشيخ محمد يحيى بن الشيخ أمان من علماء مكة المكرمة شرحًا مختصرًا اعتمد فيه على شرح السيوطي نفسه لكتاب «النقاية» الذي سماه «إتمام الدراية لقراء النقاية» وكتابه الآخر «الإتقان في علوم القرآن».

كما شرحها الشيخ السيد المساوي شرحًا مختصرًا جيدًا كذلك كالشرح السابق، وكتب السيد علوي عباس المالكي حاشية حافلة على هذا الشرح سماها «فيض الخبير وخلاصة التقرير على نهج التيسير شرح منظومة التفسير»، وكلاهما مطبوعان ولله الحمد، وأحسب أن هذه المنظومة على وجازتها من أفضل ما اطلعت عليه من منظومات في هذا الفن.

2- والقسم الثاني عبارة عن نظم لعلوم متفرقة أو مسائل من علوم القرآن؛ كالناسخ والمنسوخ، والمكي والمدني، ونحوهما، وتجد مثل ذلك في الإتقان للسيوطي -رحمه الله-.

والله الموفِّق للصواب.

الجواب:

إنّ هذه الآية العظيمة من الآيات التي أطال علماء التفسير والعقيدة والبلاغة الوقوف عندها، واستخراج معانيها وأحكامها وأسرارها؛ لكونها تمثل لكلّ من هؤلاء العلماء بحثًا متخصصًا في فنّه.

قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[الشورى: 11].

قال الإمام ابن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- في تفسيرها: «فيه وجهان: أحدهما: أن يكون معناه: ليس هو كشيءٍ، وأدخل المثل في الكلام توكيدًا للكلام؛ لكونهما بمعنى واحد... والآخر: أن يكون معناه: ليس مثله شيء، وتكون الكاف هي المدخلة في الكلام»، انتهى مختصرًا.

وهناك أوجه أخرى لم يذكرها الطبري -رحمه الله-؛ منها:

- أن المثل هنا بمعنى الصفة، أي: ليس كصفته شيء.

- ووجه رابع، وهو الذي عوّل عليه كثير من المحققين من العلماء، وهو أن المراد بقوله: «مثله» ذاته، كما في قولهم: مثلك لا يكذب، ومثلك لا يبخل، على قصد المبالغة في نفي الكذب والبخل عنه، قالوا: لأن نفيه عمن يماثله ويناسبه يدل على أنه منفي عنه من باب أولى.

ويرى البلاغيون أن الكلام هنا من باب الكناية، وأن هذا الأسلوب يدلّ على المبالغة في نفي المثل لله سبحانه وتعالى، وأن هذا من باب نفي الشيء بنفي لازمه؛ لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم. والمراد أن الله لو كان له مثل لكان هذا المثل هو الله سبحانه وتعالى، ولكن ليس له مثل.

وإن كان بعض العلماء قد أشكل عليه هذا، فقال: نحن نقول الآن أن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم، وهو أننا نقول لو كان لله مثل لما كان لهذا المثل مثل. ولكن الذي يظهر أن إثبات المثل هنا ليس لازمًا لحقيقة الآية قطعًا، بل هو محتمل فقط، كما تحتمل نفيه، وإن كان الأول أقرب. لكن عارضه في خصوص هذه المادة، أنه لو كان له مثل لما كان لهذا المثل مثل. فبطل بذلك الاحتمال من أصله؛ فالتعويل في نفي المثل على هذه المقدمة القطعية.

وعارض بعض العلماء في كون نفي مثل المثل أبلغ من نفي المثل، ورد عليه في ذلك، ويمكن مراجعة تفسير القاسمي -رحمه الله-؛ فقد أطال الحديث حول هذه الآية.

وأما من قال بتخصيص الكاف لنفي الند المكافئ، وأن (مثل) لنفي المشابهة في الاسم أو الصفة أو غيرها. فإنّ تخصيص أدوات التشبيه لمعانٍ يحتاج لدليل؛ حيث المقصود من التشبيه هو وجه الشبه، وهو المراد عند التشبيه بالكاف أو مثل أو غيرها، وتخصيص أدوات التشبيه يحتاج إلى النقل عن العرب بحيث يجزم بأنّ هذا هو سنن العرب في تشبيهاتها. والمسألة على كلِّ حال محل بحث ودراسة.

وأختم بفوائد حول هذه الآية:

- ذكر السيوطي -رحمه الله- في «الإكليل» أن في الآية ردًّا على المشبهة، وأنه تعالى ليس بجوهر ولا بجسم ولا عرض.

قال القاسمي: وكان حقّه أن يتم الاستنباط، فكما أن صدر الآية فيه رد على المشبهة فكذا تتمتها، وهو قوله تعالى: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ردّ على المعطلة؛ ولذا كان أعلى المذاهب مذهب السلف، فإنهم أثبتوا النصوص بالتنزيه من غير تعطيل ولا تشبيه.

- قال الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله-: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لم يكيفوا شيئًا من ذلك. وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج، فكلهم ينكرها ولا يحمل منها شيئًا على الحقيقة، ويزعمون أنّ مَن أقرّ بها مشبه، وهم عند مَن أقرّ بها نافون للمعبود. انتهى.

قال الذهبي -رحمه الله-: صدق والله! فإن من تأوّل سائر الصفات، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام، أدّاه ذلك السلب إلى تعطيل الربّ وأن يشابه المعدوم، كما نقل عن حماد بن زيد أنه قال: مثل الجهمية كقوم قالوا: في دارنا نخلة. قيل: لها سعف؟ قالوا: لا. قيل: لها كرب؟ قالوا: لا. قيل: لها رطب؟ قالوا: لا. قيل: فلها ساق؟ قالوا: لا. قيل: فما في داركم نخلة!

قلتُ -القائل الذهبي-: كذلك هؤلاء النفاة، قالوا: إلهنا الله تعالى، وهو لا في زمان، ولا في مكان، ولا يرى، ولا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم، ولا يرضى، ولا يريد، ولا ولا. وقالوا: سبحان المنزه عن الصفات!

بل نقول: سبحان الله العلي العظيم السميع البصير المريد، الذي كلّم موسى تكليمًا، واتخذ إبراهيم خليلًا، ويُرى في الآخرة، المتصف بما وصف به نفسه ووصفه به رسله، المنزه عن سمات المخلوقين وعن جحد الجاحدين، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

ولابن تيمية -رحمه الله- كلام نفيس في التدمرية في (القاعدة الأولى) فيمكن الرجوع إليها للاستزادة. والله أعلم.

الجواب:

للعلماء في تعريف «القرآن الكريم» أقوال كثيرة متعددة، منهم من أطال في التعريف والإكثار من الاحترازات فيه، ومنهم من اقتصر على ما ذكره الدكتور فهد الرومي، بأنه «كلام الله تعالى المنزّل على محمد -صلى الله عليه وسلم- المتعبد بتلاوته»[1]، وهو تعريف وجيز يؤدي الغرض بيسر وسهولة.

ولا شك أنّ التعريف يعتمد على فهم المُخَاطَب؛ فبعضهم يفهم المقصود بأيسر عبارة، وأوجز إشارة، فيكفي أن تقول له أن القرآن هو كلام الله المتعبد بتلاوته المنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-، فيفهم المقصود، ويحصل المراد. ومنهم من يحتاج في التعريف إلى الإشارة إلى أنه المحفوظ في المصاحف، المبدوء بسورة الفاتحة والمنتهي بسورة الناس، والمعجز بأقصر سورة منه...إلخ.

وقد تأثر العلماء الذين عرّفوا القرآن بعلم المنطق الذي يشترط في الحدود والتعريفات أن تكون جامعة مانعة، فحصل بسبب ذلك تطويلات لا حاجة إليها.

 

[1] دراسات في علوم القرآن، للدكتور فهد الرومي، ص (21).

الجواب:

ذكر السخاوي -رحمه الله- في «جمال القراء» في الكتاب الرابع منه (تجزئة القرآن) كلامًا طويلًا نافعًا عن تفاصيل أجزاء القرآن وأرباعه وأسباعه وأثمانه وغيرها بدقة ينتفع بها الحافظ لكتاب الله تعالى، ومن يرغب في حفظه بسهولة ويسر.

وأشار إلى أن معنى التجزئة والتحزيب وَرَدَا على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأنه ورد «طرأ عليَّ حزبي من القرآن» و«إنه قد فاتني الليلة جزئي من القرآن...»، وذكر قصة جمع الحجاج بن يوسف للقراء والحفاظ في عهده وسؤالهم عن عدد آيات القرآن، وعن منتصف القرآن وربعه وثلثه وغيرها. وقد استند على هذه الحادثة كثير من العلماء الذين كتبوا في تاريخ القرآن، وقالوا بأن أول من أحدث الأجزاء والأحزاب هو الحجاج بن يوسف الثقفي (ت110هـ).

وقال الزركشي في «البرهان» عند الحديث عن تحزيب القرآن: «وأما التحزيب والتجزئة فقد اشتهرت الأجزاء من ثلاثين كما في الربعات بالمدارس وغيرها، وقد أخرج أحمد في مسنده وأبو داود وابن ماجه عن أوس بن حذيفة أنه سأل أصحاب رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- في حياته: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل من (ق) حتى يختم»[1].

وتحدّث ابن تيمية حديثًا طويلًا عن تحزيب القرآن، ذهب فيها إلى أن التحزيب بالسور أفضل من التحزيب الحاصل، والذي يقف فيه القارئ أحيانًا على مواضع مرتبطة بما بعدها، والبدء بمواضع لها تعلق بما قبلها، وأشار إلى سبق الحجّاج إلى تجزئة القرآن بالحروف[2].

والذي عليه العلماء -وهو الصحيح إن شاء الله- أن «تجزئة القرآن وتحزيبه وقسمة الأرباع على الصورة التي توجد في مصاحف المسلمين اجتهادية، ولها أصل من فعل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لكن على غير هذه القسمة، وكان السلف يختلفون في ذلك، وليس المعنى فيه تعبديًّا، وإنما هو لتيسير أخذ القرآن»[3].

وقد فصّل القول في ذلك الشيخ محمد الدويش في رسالة له عن تحزيب القرآن[4].

 

[1] البرهان في علوم القرآن للزركشي بتحقيق المرعشلي (1/349).

[2] يُراجع: مجموع الفتاوى (13/405).

[3] انظر: المقدمات الأساسية في علوم القرآن، لعبد الله الجديع ص(147).

[4] منشور بمجلة البيان، العدد (41)، محرم 1412هـ.

الجواب:

كتاب تفسير القرآن لابن المنذر النيسابوري الذي حققه الدكتور سعد بن محمد السعد[1] هو قطعة صغيرة من التفسير تبدأ من الآية (272) من سورة البقرة {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ}، وتنتهي عند الآية (92) من سورة النساء {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً}، وقد بيّن المحقق ذلك في مقدمته ص(29).

وأشار المحقق إلى أنه استعان في التحقيق بمنتخبٍ كان قد انتخبه أحدُ نسّاخ تفسير ابن أبي حاتم على هامش تفسير ابن أبي حاتم المخطوط من تفسير ابن المنذر، وأثبت الزيادات بين معقوفين [ ] في المتن.

ولا يزال التفسير كاملًا في عداد المفقودات إلى اليوم حسب علمي.

 

[1] طبع بدار المآثر بالمدينة النبوية، الطبعة الأولى 1423هـ - 2002م.

الجواب:

ينتظم الكلام عن الفرق بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي في النقاط التالية:

الأولى: أن مصطلح التفسير بالمأثور مصطلح حادث، والمصطلحات يجب أن يدقق فيها أثناء وضعها وأثناء فهمها، وعندما يدخل الخلل في وضع المصطلح أو فهمه يحدث الاضطراب في الفهم وفي التطبيق ولا تنضبط المسائل كما سيأتي.

الثانية: التفسير بالمأثور: هو ما أثر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن صحابته وعن التابعين وعن تابعيهم ممن عُرفوا بالتفسير، وكانت لهم آراء مستقلة مبنية على اجتهادهم.

ولا شك أن ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إن صح السند إليه هو المقدّم، ثم ما صح عن صحابته -رضي الله عنهم-.

وقد حرص السيوطي -رحمه الله- على جمع ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وما روي عن الصحابة فقط دون أن يكون فيه شيء من أقوال التابعين في كتابه المفقود «ترجمان القرآن»، وقد تم كتابه ذاك في خمسة مجلدات. قال السيوطي في مقدمة كتابه «قطف الأزهار»: «وبعد، فإن الله سبحانه وله الحمد قد منَّ عليَّ بالنظر في علوم القرآن وحقائقه، وتتبع أسراره ودقائقه، حتى صنفت في تعليقاته كتبًا شتى، منها التفسير الملقب «ترجمان القرآن»، وهو الوارد بالإسناد المتصل عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الذين شاهدوه وتلقوا منه الوحي والتنزيل وسمعوا منه التفسير والتأويل، وقد تم -ولله الحمد- في خمس مجلدات، وهو مستوعب لغالب آيات القرآن من غير أن أذكر فيه شيئًا عن التابعين، ولا من بعدهم.

وهذا لعمري هو التفسير -ولا زال الكلام للسيوطي-؛ فإن الكلام في معاني القرآن ممن لم ينزل عليه ولا سمع من المنزل إليه، إنما هو رأي محض، فإن كان موافقًا للقواعد فهو التأويل، وإن كان خرج عنها وأخطأ المراد فتحريف وتبديل... فإذن الواجب الاقتصار في التفسير على ما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، فإن في ذلك كفاية ومقنعًا.

ومن زعم أنه يأتي بأحسن مما أتوا به؛ فإنه متهم في دينه، مخدوع في عقله، نعم يبقى النظر في الترجيح إذا اختلفت الرواية عن الصحابة، وذلك غير ممتنع عن المتأهل لذلك، أما إحداث قول زائد على ما ورد عنهم فلا، ولا كرامة.

ولما كان هذا التفسير المشار إليه نقلًا محضًا، ليس فيه إعراب، ولا سرّ بياني، ولا نكتة بديعية، ولا استنباط حكم إلا نادرًا، أردفته بكتب في ذلك..» اهـ.

ثم أشار بعد ذلك إلى كتبه: «الإتقان»، و«لباب النقول في أسباب النزول»، و«الإكليل في استنباط التنزيل»، وغيرها، ولم يشر إلى كتابه «الدر المنثور»، وهذا يدلّ على أنه لم يؤلفه بعدُ حين كتب ذلك الكتاب، أو أنه لم يرد الاستقصاء عندما ذكر كتبه بدليل قوله: (حتى صنفتُ في تعليقاته كتبًا شتى، منها التفسير الملقب «ترجمان القرآن»).

ثم يأتي بعد ذلك ما روي عن التابعين، وعن أتباعهم رحمهم الله جميعًا، والسبب في قبول رواياتهم معروف، ومذكور في كتب أهل العلم، وقد درس الدكتور محمد الخضيري تفسير التابعين دراسة جيدة فلتراجع وهي بعنوان «تفسير التابعين- عرض ودراسة مقارنة».

ولكنه لا يرتبط بالتفسير بالمأثور حكم من حيث القبول والردّ؛ بل يعتمد ذلك على صحة النقل، فما صح قُبِلَ، وما لم يصح لم يقبل.

وهنا ينتهي الحديث عن التفسير بالمأثور. ولا يتعدى الحديث فيه إلى جعله قسيمًا للتفسير بالرأي، فهنا مكمن الخلل!

الثالثة: أما التفسير بالرأي هو أن يفسر المفسر القرآن باجتهاده ورأيه، ومنه ما هو محمود ومذموم، فالمحمود يستند على ضوابط وقواعد معروفة ذكرها أهل العلم، أما المذموم فيدخل فيه التفسير بغير علم أو بالهوى.

فالتفسير بالرأي المحمود المقبول يدخل فيه تفسير الصحابي، وتفسير التابعي، ومن بعدهم إلى زمننا هذا.

فإذًا التفسير بالمأثور قد يكون بالرأي، وينسب إلى مَنْ فسره، سواء كان من الصحابة أو من التابعين، أو من بعدهم.

فالمسألة اصطلاحية فحسب، أراد العلماء أن ييسروا التقسيمات على طلاب العلم لدراسة تاريخ التفسير، وكيف تطور، ولكن حدث هذا الخلط غير المقصود، فالله المستعان. فأصبح الخطأ شائعًا عند المتأخرين، ينقله بعضهم عن بعض دون تمحيص، وهو أن يقسم التفسير إلى قسمين:

- تفسير بالمأثور.

- وتفسير بالرأي.

وقسموا كتب التفسير إلى:

- كتب التفسير بالأثر.

- وكتب التفسير بالرأي.

وممن يفهم من كلامه مثل هذا التقسيم الطاهر بن عاشور -رحمه الله-، حيث يقول: «أما الذين جمدوا على القول بأن تفسير القرآن يجب ألا يعدو ما هو مأثور، فهم رموا هذه الكلمة على عواهنها، ولم يضبطوا مرادهم من المأثور عمن يؤثر.

- فإن أرادوا به ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من تفسير بعض آيات إن كان مرويًّا بسند مقبول من صحيح أو حسن، فإذا التزموا هذا الظن بهم فقد ضيقوا سعة معاني القرآن، وينابيع ما يستنبط من علومه، وناقضوا أنفسهم فيما دونوه من التفاسير، وغلطوا سلفهم فيما تأولوه؛ إذ لا ملجأ لهم من الاعتراف بأن أئمة المسلمين من الصحابة فمن بعدهم لم يقصروا أنفسهم على أن يرووا ما بلغهم من تفسير النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد سأل عمر بن الخطاب أهل العلم عن معاني آيات كثيرة ولم يشترط عليهم أن يرووا له ما بلغهم في تفسيرها عن  النبي -صلى الله عليه وسلم-.

- وإن أرادوا بالمأثور ما روي عن النبي وعن الصحابة خاصّة، وهو ما يظهر من صنيع السيوطي في تفسيره «الدر المنثور» لم يتسع ذلك المضيق إلا قليلًا، ولم يغن عن أهل التفسير فتيلًا؛ لأن أكثر الصحابة لا يؤثر عنهم في التفسير إلا شيء قليل سوى ما يروى عن علي بن أبي طالب على ما فيه من صحيح وضعيف وموضوع .

- وإن أرادوا بالمأثور ما كان مرويًّا قبل تدوين التفاسير الأُوَل مثل ما يروى عن أصحاب ابن عباس وأصحاب ابن مسعود، فقد أخذوا يفتحون الباب من شَقِّه، ويقربون ما بعد من الشُّقَّة؛ إذ لا محيص لهم من الاعتراف بأن التابعين قالوا أقوالًا في معاني القرآن لم يسندوها ولا ادعوا أنها محذوفة الأسانيد، وقد اختلفت أقوالهم في معاني آيات كثيرة اختلافًا ينبئ إنباء واضحًا، بأنهم إنما تأولوا تلك الآيات من أفهامهم، كما يعلمه من له علم بأقوالهم، وهي ثابتة في تفسير الطبري ونظرائه...

وقد التزم الطبري في تفسيره أن يقتصر على ما هو مروي عن الصحابة والتابعين، لكنه لا يلبث في كلّ آية أن يتخطى ذلك إلى اختياره منها، وترجيح بعضها على بعض بشواهد من كلام العرب، وحسبه بذلك تجاوزًا لما حدده من الاقتصار على التفسير بالمأثور، وذلك طريق ليس بنهج، وقد سبقه إليه بقيُّ بن مَخْلَد، ولم نقف على تفسيره، وشاكل الطبري فيه معاصروه، مثل ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم، فلله درّ الذين لم يحبسوا أنفسهم في تفسير القرآن على ما هو مأثور، مثل الفراء وأبي عبيدة من الأولين، والزجاج والرماني ممن بعدهم، ثم من سلكوا طريقهم، مثل الزمخشري وابن عطية»[1].

ومن الخطأ في هذا التقسيم أنهم يعدون تفسير «جامع البيان» -مثلًا- من كتب التفسير بالمأثور، وهو قد جمع بين الآثار وبين النقد والترجيح، أي الرأي على رأي من وضع المصطلح. فيخرجون من هذا بقولهم: «وممن جمع بين التفسير بالأثر والتفسير بالرأي الإمام محمد بن جرير الطبري ...»، ولو تبينوا الوجه لعلموا أن النوعين لا يكاد ينفك أحدهما عن الآخر، وأن التفسير بالمأثور ليس قسيمًا للتفسير بالرأي.

وقد قسموا التفسير بالمأثور إلى أربعة أقسام هي:

1- تفسير القـرآن بالقرآن.

2- تفسير القرآن بالسنة.

3- تفسير القرآن بأقوال الصحابة.

4- تفسير القرآن بأقوال التابعين.

ولو دققوا النظر لتبيّن لهم أن تفسير القرآن بالقرآن ينسب إلى من فسر به؛ فهو إن كان من الصحابي فهو من قبيل تفسيره بالرأي المنسوب للصحابي وكذلك للتابعي وهكذا. ولو محص النظر أكثر لكان كلّ تفسير بالرأي يعتبر بالنسبة لمن بعده تفسيرًا بالمأثور؛ فكلّ محدث يعتبر قديمًا ومأثورًا لمن بعده وهكذا. ولكنهم قصروه على هذه الأنواع الأربعة، مع اختلافهم في كون تفسير التابعي حجة، وليس في كونه مأثورًا أم غير مأثور، إذ لم يكن مصطلح «المأثور» معروفًا ولا شائعًا عند المتقدمين.

وختامًا: فأنا أعجب من مؤلفَيْنِ متخصصين معاصرين سارا على هذه الطريقة، ولم يتنبها لهذه النقطة تنبهًا يدلّ على اتضاح الأمر لهما، مع أن عنواني كتابيهما يدلان على أنهما دققا وحللا المصطلحات، وهما:

1- فضيلة الشيخ الكريم الأستاذ الدكتور أحمد حسن فرحات في كتابه «في علوم القرآن؛ عرض ونقد وتحقيق»، حيث يقول: «من خلال ما قدمناه يتبين لنا أن التفسير ينقسم إلى قسمين رئيسيين هما: التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأي. فالتفسير بالمأثور هو التفسير بالرواية، وهو يشمل تفسير القرآن بالقرآن - وتفسير القرآن بالسنة النبوية - وتفسير القرآن بقول الصحابي - وتفسير القرآن بقول التابعي...»[2].

2- فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور سليمان بن صالح القرعاوي في كتابه «مصطلحات علوم القرآن؛ عرض وتحليل واستدراك»، حيث قال: «يقسم العلماء التفسير إلى نوعين رئيسين وهما: التفسير المأثور، والتفسير بالرأي أو الدراية، ومنهم من يضيف إليه التفسير الإشاري كنوع ثالث، والذي يخرجه الكثير عن حيز التفسير كما سنرى فيما بعد»[3].

وهذا التقسيم غير الدقيق؛ فأين النقد، والتحليل، والاستدراك إذًا؟!

 

[1] التحرير والتنوير (1/32-33).

([2]) في علوم القرآن - عرض ونقد وتحقيق، ص (251).

([3]) مصطلحات علوم القرآن - عرض وتحليل واستدراك، ص (264).

الجواب:

نعم هناك من قام بجمع أقوال الأئمة الأربعة في التفسير، وأذكر منها:

- جمع تفسير الإمام مالك في كتاب «الإمام مالك مفسرًا»، جمع وتحقيق وتقديم: حميد لحمر، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، بمدينة فاس بالمغرب، في مجلد واحد، وأصله رسالة جامعية للباحث[1].

- جمع تفسير الإمام الشافعي في كتاب «تفسير الإمام الشافعي»، جمع وتحقيق: مجدي بن منصور بن سيد الشوري، طبعته دار الكتب العلمية في مجلد واحد. وقد دفع المؤلف إلى هذا العمل والجمع لأقوال الشافعي في التفسير قول الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- في تعليقه على فهرس الآيات القرآنية لكتاب «الرسالة» للشافعي: «لو صنع مثل هذا [يعني فهرس آيات القرآن التي تعرض الشافعي لتفسيرها] لكلّ كتب الشافعي كانت لنا مجموعة نفيسة رائعة من قول الشفعي وفقهه في تفسير القرآن، لا نكاد نجد مثلها في كتاب من كتب التفسير»[2].

- «تفسير الإمام الشافعي؛ جمع وتحقيق ودراسة»، للدكتور أحمد بن مصطفى الفرَّان، صدر عن دار التدمرية بالرياض، الطبعة الأولى 1427هـ، ويقع الكتاب في ثلاثة مجلدات من القطع العادي، وأصل هذا الكتاب رسالة دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن، نوقشت في جامعة القرآن الكريم والدراسات الإسلامية - كلية الدراسات الإسلامية والبحث العلمي بالخرطوم، صيف عام 2004م، ونال المؤلف درجة ممتاز، مع التوصية بالطباعة والتبادل بين الجامعات.

- جمع الدكتور حكمت بشير ياسين -حفظه الله- (مرويات الإمام أحمد بن حنبل في التفسير) في عدة مجلدات، وغالبها روايات عن السلف السابقين من طريق الإمام أحمد، وليست تفسيرات مباشرة للإمام أحمد. غير أنه قد نُسِبَ للإمام أحمد تفسير خاص للقرآن الكريم ذكرهُ الزجاج في معانيه، وذكر أنه رواه عن عبد الله بن الإمام أحمد، وأنكر الذهبي هذا التفسير بحجة عدم وصوله مع شهرة مؤلفه.

 

[1] وعنوان الرسالة الأصلي الذي نال به الباحث الدرجة هو «تفسير الإمام مالك بن أنـس، جمع وتحقيق وتقديم»، كما ذكر ذلك المؤلف في مقدمة كتابه.

[2] الرسالة ص612.

الجواب:

كُتِبت العديد من البحوث حول ابن العربي، منها المطبوع والمخطوط:

- ابن العربي ومنهجه في أحكام القرآن لمصطفى إبراهيم المشني - مطبوع.

- ترجيحات الإمام ابن العربي في كتابه أحكام القرآن (من أول سورة المائدة إلى آخر سورة التوبة) - عرضًا ودراسة، للباحث: آدم عثمان علي، رسالة دكتوراه بالجامعة الإسلامية.

- ترجيحات ابن العربي في التفسير من خلال كتابه أحكام القرآن (من أول الفاتحة إلى آخر سورة النساء) - عرضًا ودراسة، للباحث: محمد سيدي عبد القادر. رسالة دكتوراه بالجامعة الإسلامية.

- منهج ابن العربي في كتابه أحكام القرآن، للباحث: صالح البليهي. رسالة ماجستير بقسم القرآن بالرياض 1401هـ.

- جهود القاضي أبي بكر ابن العربي في الدراسات القرآنية، بحث منشور بمجلة دعوة الحق المغربية، للباحث: أحمد أمحرزي علوي، العدد 329.

- أبو بكر ابن العربي وتفسير الإمام مالك، بحث منشور بالمجلة نفسها، للباحث: المهدي السيني، العدد 300.

- موازنة بين كتابي أبي بكر ابن العربي ومكي القيسي في النسخ في القرآن الكريم، بحث منشور بمجلة كلية الدراسات الإسلامية بالإمارات، للدكتور: أحمد حسن فرحات، العدد 20.

- اختيارات الإمام ابن العربي الفقهية في فقه الأسرة والجنايات والحدود (دراسة فقهية مقارنة)، للباحث: عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله الملحم. بحث تكميلي لنيل الماجستير 1419هـ.

- اختيارات الإمام ابن العربي الفقهية في العبادات، للباحث: صقر بن عوضة آل كحلان الغامدي. بحث تكميلي لنيل الماجستير 1420/1421هـ.

- مع القاضي أبي بكر ابن العربي، لسعيد أعراب، صدر عن دار الغرب، وفيه طرف من سيرته، ونقاش لآرائه.

ما حكم الوقف في قوله تعالى: {قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ}[القصص: 9]؛ بأن يقف القارئ على {قُرَّتُ عَيْنٍ} أي: لها هي فقط، ثم يقف، ويقرأ {وَلَكَ لَا} أي: وليس لفرعون، ثم يقف، ويقرأ {تَقْتُلُوهُ} بصيغة الاستفهام التعجبي، أي أتقتلوه؟! ثم يكمل الآية، فما حكم ذلك؟

الجواب:

روي هذا الوقف عن ابن عباس من طريق السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قالت: (قرت عين لي ولك لا...) ثم قالت: (تقتلوه). ولكن الفراء -وهو الذي روى هذه الرواية- قال: وهو لحن، ويقويك على ردّه قراءة عبد الله بن مسعود: (لا تقتلوه قرة عين لي ولك)[1]. يريد أنه لو كان كذلك لقال: (تقتلونه) بالنون بدل (تقتلوه)، فلما جاءت الآية بغير نون علمنا أن الجازم للفعل هو (لا) الناهية، فلا يجوز الفصل بينهما إذًا. وقد ذكر ذلك ابن الأنباري -رحمه الله-[2]، وقال النحاس: «ورواية الكلبي لا يحل لمسلم أن ينظر فيها؛ لإجماع أهل العلم ممن يعرف الرجال على تكذيبه. والصحيح عن ابن عباس أنه قال: {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ} فقال فرعون: أما لكِ فنعم، وأما لي فلا، وكان كما قال»[3].

 

[1] ينظر: معاني القرآن (2/302).

[2] ينظر: إيضاح الوقف والابتداء (2/822).

[3] ينظر: القطع والائتناف 543، والمكتفى في الوقف والابتدا لأبي عمرو الداني (435-436).

لدي موضعان من تفسيرات ابن بدران الدمشقي في تفسيره «جواهر الأفكار»، والتي أعتقد أنها مما تأثر به من علم الفلسفة والكلام.

الموضع الأول: قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}[آل عمران:190].

قال ابن بدران: «وادعى بعض المتأخرين منهم أنه اكتشف كوكبًا ثامنًا للسيارات، وسماه (نبتون) باسم مكتشفه، والذي يلوح لي أن هذا الكوكب هو الذي يعبر عنه الأقدمون بفلك الثوابت، وهو كثير الذّكر في كتب الهيئة، وقد بقي عليهم فلك آخر لم يكتشفوه وهو فلك الأفلاك والفلك الأعظم والأطلس، وقالوا: إنه محيط بجميع الأجسام، وليس وراءه شيء لا خلاء ولا ماء، ولقد سبق القرآن الكريم إلى ذكر هذين الكوكبين، فقوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} يشير إلى الثامن، وقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}  يشير إلى التاسع».

الموضع الثاني: قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[البقرة:29].

قال ابن بدران: «إنّ السماوات عبارة عن السيارات السبع، ولكن انتقاض الحصر ليس بلازم لنا؛ لأن العدد لا مفهوم له، ولو سلّمنا أن له مفهومًا، ولكن الكتاب العزيز لم يقتصر على ذكر السبع بل زاد عليها اثنين، وهما الكرسي والعرش، وهما عند الحكماء مما يطلق عليهما لفظ الفلك، فإذا انضما إلى السبعة صارت تسعة، وهم إلى الآن لم يكتشفوا الثامن من بعد ألوف من السنين، ونحن ندعهم حتى يكتشفوا التاسع بعد دهر وهناك يذعنون لنا».

فما قولكم في ذلك؟

الجواب:

هذه الأقوال -للأسف- هي من تأثّر المفسرين بكلام الفلاسفة الذي لا دليل عليه ولا قيمة له في باب التفسير، والرازي -رحمه الله- هو الذي فتح هذا الباب للمفسرين حتى غلب على تفسيره، وسار بسيره معظم من جاء بعده، وقد ناقش الدكتور بكار محمود الحاج في كتابه «الأثر الفلسفي في التفسير»[1] هذه المسألة بتفصيل، وذمّ أبو حيان الغرناطي في كتابه «البحر المحيط» هذه النقول ذمًّا شديدًّا، ووصفها بأنها ليست من العلم ولا من التفسير في شيء، وقد اطلعتُ على تفسير ساجقلي زاده لآية الكرسي فوجدته ملأها بمثل هذه النقول تأثرًا بالرازي وغيره. فيجب التنبه إلى مثل هذا الأمور الدخيلة على التفسير الناشئة من التأثر بكلام الفلاسفة.

 

[1] وقد نشرته: دار النوادر - دمشق - سوريا، الطبعة: الأولى سنة 1429هـ - 2008م، عدد الصفحات: 791.

الجواب:

هناك دراسات كثيرة ومتنوعة دارت حول كتاب «أحكام القرآن» للجصاص الحنفي (ت370هـ)، والذي يعدّ كتابه في أحكام القرآن من أفضل المصنفات في هذا الباب، ومن هذه الدراسات الأكاديمية:

- الإمام أبو بكر الرازي الجصاص ومنهجه في التفسير، للباحث صفوت مصطفى خليلوفيتش، وقد نشرته دار السلام بالقاهرة، وهذا الكتاب دراسة وافية عن الإمام الجصاص وكتابه «أحكام القرآن», أظهر فيها المؤلف حياة هذا الإمام الكبير والعصر الذي عاش فيه ملقيًا الضوء على منهج الإمام الجصاص في كتابه والأسس التي بنى عليها تفسيره، مشيرًا إلى بعض المآخذ على تفسير الجصاص، من بينها تأثره بمذهب المعتزلة في بعض المسائل, دون أن يغفل القيمة العلمية لهذا الكتاب ومدى تأثيره على من جاء بعده من المفسرين والفقهاء والأصوليين، موضحًا ذلك بنماذج من بعض الكتب التي ألفت بعد عصر الجصاص.

- الجصاص وتفسيره: تحقيق ودراسة، للباحث مولود كونكور، وهي رسالة دكتوراه بجامعة أنقرة.

- الموازنة بين الإمامين الجصاص وابن العربي في أحكام القرآن، للباحث عبد الرحيم صالحي، رسالة دكتوراه بالمعهد الوطني لأصول الدين بالجزائر العاصمة.

- الجصاص ومنهجه في التفسير، للباحث رشدي محمد رشيد، رسالة ماجستير.

- القواعد اللغوية الأصولية عند الجصاص وتطبيقاتها من خلال أحكام القرآن، للباحثة فاطمة كمال، رسالة ماجستير، بجامعة محمد الخامس بالدار البيضاء بالمغرب، 1995م.

- الجصاص ومنهجه في تفسير أحكام القرآن الكريم، للباحث عبد الكريم عبد الحميد عبد اللطيف، رسالة ماجستير.

- منهج الجصاص فيما رد من الأحاديث الواردة في كتاب أحكام القرآن للباحث سلطان فهد حمد الطبيشي، رسالة ماجستير.

- أصول الجصاص: من باب الإجماع إلى نهاية باب القياس، لسميح أحمد خالد سعد إسماعيل، ماجستير، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة .

- وهناك دراسات كثيرة للأحاديث والآثار في كتاب أحكام القرآن للجصاص بجامعة أم القرى في عدة رسائل علمية بقسم السنة.

الجواب:

يعد كتاب «فضائل القرآن ومعالمه وآدابه» للعلامة أبي عبيد القاسم بن سلام الهروي (157-224هـ) من أول وأهم الكتب المؤلفة في هذا الموضوع، ومعظم المؤلفين بعده ينقلون عنه، وهو يروي الأحاديث والآثار بسنده، فيقع فيه الصحيح وغيره، وللكتاب تحقيقات متفرقة؛ منها تحقيق مروان العطية وزملائه، ونشرته دار ابن كثير بدمشق، وتحقيق أحمد بن عبد الواحد الخياطي في رسالته للماجستير، ونشرته وزارة الأوقاف المغربية في جزأين. وهذا الكتاب لا يستغنى عنه بغيره لإمامة مؤلفه.

ومن أجمع كتب فضائل القرآن -إن لم يكن أجمعها على الإطلاق- كتاب «لمحات الأنوار ونفحات الأزهار وري الظمآن لمعرفة ما ورد من الآثار في ثواب قارئ القرآن» لمحمد بن عبد الواحد بن إبراهيم الغافقي الأندلسي (549-619هـ)، وقد حققه الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، ونشرته دار البشائر الإسلامية في ثلاثة مجلدات. وقد جمع من الروايات ما يقرب من ألفي رواية في ثلاثمائة وأربعة وثلاثين بابًا من أبواب فضائل القرآن الكريم، كما جمع ما في الكتب التي صنفت قبله، فقد جمعه مؤلفه من سبعين كتابًا كما ذكر في المقدمة، وقد أودع كتاب فضائل القرآن لأبي عبيد في كتابه هذا، وكثير من الكتب التي اشتمل عليها أو على معظمها مفقودة حتى اليوم مثل كتاب فضائل القرآن لأبي ذر الهروي، وابن صخر، وابن حبيب وغيرهم.

وقد زادت قيمة الكتاب بتحقيق المحقق له، وتخريجه لأسانيده ورواياته، والحكم عليها من حيث الصحة وغيرها. ولو اكتفى الطالب بهذا الكتاب لكان فيه غنية، ولنفعه بإذن الله.

وهناك من عُنِيَ بالكتابة في فضائل القرآن من المتقدمين مثل ابن الضريس، والآجري، والنووي، وابن كثير. ومن المتأخرين الدكتور محمد رزق طرهوني في كتاب صغير اقتصر فيه على ما صح عنده في ذلك، وله أيضًا «موسوعة فضائل سور وآيات القرآن» في مجلدين كبيرين، نشرته مكتبة العلم بجدة.

الجواب:

يُقصد بالقراءات التفسيرية تلك العبارات التي كان يكتبها بعض الصحابة في مصاحفهم الخاصّة توضيحًا لبعض الألفاظ أو المبهمات في القرآن، ومن أكثر من حُفظ عنه مثل هذه التفسيرات عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، والذي يظهر لي أنها لا تُسمَّى قراءة من حيث الرواية؛ وإنما هي تفسير ينسب لمن كتبه، لاختلاف الاصطلاح بين القراءة والتفسير.

ومثال ذلك: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}[الحجرات: 4]، الضمير في قوله {أَكْثَرُهُمْ} يعود لوفد بني تميم الذين جاءوا للنبي -صلى الله عليه وسلم- في القصة المعروفة في سبب نزول الآيات؛ فكتب عبد الله بن مسعود بخطٍّ مغاير فوق أو بعد هذه الكلمة: (بنو تميم)، فجاء العلماء من بعده فقالوا: وفي قراءة
عبد الله بن مسعود: «وأكثرهم بنو تميم لا يعقلون»[1].

وهي بهذا النظم لا تصح قراءة، وإنما هي تفسير للمقصودِ بِهؤلاء، وقل مثل ذلك في بقية الأمثلة المنثورة في كتب التفسير والقراءات الشاذة والاحتجاج للقراءات والفقه أيضًا.

ولذلك فالذي يظهر لي أن الأولى عدم تسميتها بـــ(القراءات التفسيرية)، وإنما هي تفسيرات لمن كتبها ورويت عنه للفرق بين القراءة والتفسير للقرآن، وإن كان بعض المفسرين كأبي حيان وابن العربي وغيرهما سمَّوها بالقراءات التفسيرية تجوّزًا منهم. وقد أشار المستشرق جولد زيهر إليها في كتابه الذي ترجم بعنوان «مذاهب التفسير الإسلامي»، وسَمَّاها بالزياداتِ التفسيرية.

وأما البحوث التي ربما تكون تناولت هذا الموضوع؛ فمنها:

- قراءة عبد الله بن مسعود، للدكتور محمد أحمد خاطر.

- تفسير ابن مسعود؛ جمع وتحقيق ودراسة، لمحمد أحمد عيسوي. ط. مركز الملك فيصل.

- كتاب المصاحف لابن أبي داود.

 

[1] انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة (2/219).

الجواب:

اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

الأول: يرى أن لفظ (القرآن) غير مشتق، وعلى رأسهم الإمام الشافعي -رحمه الله-؛ ولذلك فهو لا يهمز لفظ (القرآن)؛ لأنه يرى أنه عَلَم غير مهموز، وكان يهمز الفعل (قرأ) ولا يهمز (القرآن)، وحجته أنه لم يؤخذ من (قرأت)، ولو أخذ من (قرأت) لكان كلّ ما قرئ ‏قرآنًا، ولكنه اسم كالتوراة والإنجيل[1].

ويرى أهل هذا الرأي أن القران عَلَمٌ على الكتاب الذي أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-، كما أن التوراة علم على الكتاب الذي أنزل على موسى والإنجيل علم على الكتاب الذي أنزل على عيسى.

الثاني: أنه مشتق، وعلى هذا الجمهور من العلماء من اللغويين وأهل التفسير، لكنهم اختلفوا في المشتق منه على أقوال:

1- أنه مشتق من (قَرَنَ)، بمعنى ضمّ، كما تقول: قرنت الشيء بالشيء إذا ضممته إليه، وسمي القرآن بذلك لقرنه السور والآيات والحروف فيه. وهذا قول الأشعري.

2- أنه مشتق من (القرائن)، جمع قرينة؛ لأن الآيات منه يصدق بعضها بعضًا، ويشابه بعضها بعضًا، وهذا قول الفراء اللغوي -رحمه الله-.

وعلى هذين الرأيين فالقران غير مهموز، ونونه أصلية؛ لأنه من (قرن)، وهذان الرأيان فيهما ضعف.

3- أنه مشتق من (قرأ)، وهذا رأي جمهور كبير من العلماء -رحمهم الله-؛ منهم ابن فارس صاحب «مقاييس اللغة»، بل هو يرى أن (قرى) و (قرأ) بمعنى واحد، وهو يدل على جمع واجتماع، ومن ذلك القرية، سميت بذلك لاجتماع الناس فيها، ويقولون: قريت الماء في المقراة جمعته...، ويقولون: ما قرأت هذه الناقة سلى كأنه يراد أنها ما حملت قط... قالوا: ومنه القرآن، كأنه سمي به لجمعه ما فيه من الأحكام والقصص وغير ذلك[2].

ويرى الراغب الأصفهاني في المفردات أن القرآن في الأصل مصدر، نحو كفران ورجحان، وهو بمعنى القراءة[3].

ويرى بعض العلماء أن القرآن مشتق من (قرأ) بمعنى أظهر وألقى، لا بمعنى جمع؛ ولذلك يقول الزركشي: وقال بعض المتأخرين: لا يكون القرآن وقرأ بمعنى جمع؛ لقوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} فغاير بينهما، وإنما مادته (قرأ) بمعنى (أظهر وبيّن). والقارئ: يظهر القرآن ويخرجه، والقرء: الدم؛ لظهوره وخروجه، والقرء: الوقت، فإن التوقيت لا يكون إلا بما يظهر[4].

ومثل هذا القول حكي عن قطرب؛ قال: إنما سمي القرآن؛ لأن القارئ يظهره ويبينه من فيه، أخذًا من قول العرب: ما قرأت الناقة سلى قط، أي ما رمت بولد، أي ما أسقطت ولدًا، أي ما حملت قط. والقرآن يلفظه القارئ من فيه ويلقيه فسمي قرآنًا.

ومما تقدم يظهر أن بعض العلماء يرجح كون لفظ القرآن مشتقًا من قرأ بمعنى جمع، في حين يرجح البعض الآخر كونه مشتقًّا من قرأ بمعنى ألقى وأظهر وتلا. والذي عليه الأكثر أن مادة (قرأ) في اللغة إنما تفيد الجمع الذي يعقبه إلقاء أو ظهور، كما في قول عمرو بن كلثوم:

هِجَـانِ اللَّوْنِ لَمْ "تَقْرَأ" جَنِيْنَـا

 

وثَدْيًا مِثْلَ حُقِّ العَاجِ رَخِصًـا

أي لم تحمل جنينًا، ولم تلق، أي لم تجمع رحمها على ملقوح ولم تلد.

وقد تحدث عن ذلك وفصّل الراغب الأصفهاني في معنى القرء.

وبناء على ما تقدم تكون القراءة من الجمع الذي يتلوه الإلقاء أو الظهور أو التلاوة؛ وذلك لأن التلاوة مرحلة تالية للجمع، سواء كانت هذه القراءة بعد الجمع في الصدر أو في الكتاب. ولعلّ هذا هو مراد الأصفهاني بقوله: «والقراءة ضم الحروف بعضها إلى بعض في الترتيل، وليس يقال ذلك لكلّ جمع».

الخلاصة: أن كلمة (القرآن) من حيث الاشتقاق وعدمه مسألة خلافية، وإن كنتُ أرى أنها مشتقة من (قرأ) بمعنى جمع وأظهر وتلا معًا؛ لأن طبيعة القرآن كذلك، فبداية نزوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}، وللأمر بتلاوته وترتيله في أكثر من موضع، ولمساعدة كلام العرب على هذا الاشتقاق، ولكن يبقى في الأمر سعة ولله الحمد.

ويحسن التنبيه على أن الشيخ الكريم صبحي الصالح -رحمه الله- قد ذهب إلى أن مادة (قرأ) في العربية مأخوذة من أصل آرامي، وأن العرب في الجاهلية لما سمعوا هذه اللفظة استخدموها بمعنى غير معنى التلاوة، فكانوا يقولون: هذه الناقة لم تقرأ سلى قط، يقصدون أنها لم تحمل ملقوحًا ولم تلد ولدًا.

بينما الكلمة عربية أصيلة، لا شبهة فيها إن شاء الله، ولكن تأثر كثير من العلماء الأجلاء ببحوث ودراسات المستشرقين الذي يرون أن اللغات الآرامية والحبشية والفارسية تركت في اللغة العربية آثارًا لا تنكر؛ لأنها كانت لغات أقوام أهل مدنية بخلاف العرب، هذا هو السبب في القول بهذا القول، ويمكن مراجعة كلامه في كتابه في علوم القرآن.

 

[1] ينظر في ذلك: تاريخ بغداد (2/ 401).

[2] ينظر: مقاييس اللغة (5/78-79).

[3] ينظر: المفردات في غريب القرآن (1/ 668).

[4] ينظر البرهان في علوم القرآن للزركشي (1/ 277).

الجواب:

المقصود بالترادف اصطلاحًا: هو أن يدلّ لفظان مفردان فأكثر دلالة حقيقية مستقلة على معنى واحد، باعتبار واحد، وفي بيئة لغوية واحدة. هذا هو التعريف الصحيح للترادف، وليس مجرد الاختلاف في اللفظ والمعنى واحد.

ومسألة الترادف في اللغة بصفة عامة وفي القرآن الكريم بصفة خاصة كثر فيها القول والتصنيف في القديم والحديث.

والذي ذهب إليه المحققون من العلماء أن الترادف في اللغة قليل جدًّا، وفي القرآن نادر. ومن أقوالهم في ذلك: ما ذكره ابن تيمية -رحمه الله- في «مقدمة التفسير»، حيث قال: «فإن الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن فإما نادر، وإما معدوم ، وقلّ أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه، بل يكون فيه تقريب لمعناه»[1].

ومن المنكرين لمسألة الترادف في القرآن الكريم الإمام الراغب الأصفهاني -رحمه الله- حيث يرى أن الترادف معدوم في القرآن الكريم، يقول في مقدمة مفرداته: «وأتبع هذا الكتاب -إن شاء الله تعالى ونسأ في الأجل- بكتاب ينبئ عن تحقيق الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد وما بينها من الفروق الغامضة، فبذلك يعرف اختصاص كلّ خبر بلفظ من الألفاظ المترادفة دون غيره من أخواته»[2]. ويبدو أنه توفي قبل أن يحقق هذه الرغبة، أو أن الكتاب لم يصل إلينا، ولم يبق لنا إلا إشارات في كتابه المفردات تشير إلى رأيه في إنكار الترادف، مع بعض الأمثلة على ذلك.

ومن الكتب النافعة في تحقيق هذه المسألة كتاب «مقاييس اللغة» لأحمد بن فارس
-رحمه الله- حيث قد أرجع كلّ أصل إلى معناه الدقيق، وحقق ذلك تحقيقًا ربما لا تظفر به في غيره، رحمه الله رحمة واسعة، ومن الكتب الجيدة في الترادف في القرآن الكريم ما كتبه الأستاذ محمد نور الدين المنجد بعنوان «الترادف في القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق».

 

[1] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (13/ 341)، مقدمة التفسير.

[2] المفردات في غريب القرآن (1/ 55).

الجواب:

الإجابة عن هذا السؤال في النقاط التالية:

الأولى: القرآن الكريم كله قطعي الثبوت، بمعنى أن أسانيده ثابتة؛ فقد رُوي عن النبي- صلى الله عليه وسلم- بالتواتر، فقد رواه في كلّ طبقة عدد من الناس يستحيل تواطؤه على الكذب، وهذا مفيد لليقين. أما ما لم يصح سنده من القراءات فلا يُعتبر قرآنًا، ولا يجوز القراءة به مطلقًا بالإجماع.

الثانية: السنة النبوية فيها المتواتر وفيها الآحاد، والعمل بما صح سنده واجب بحسبه، سواء كان ذلك في العقائد أو في العمليات، ولكن لا بد من البحث عن إسناد الحديث أولًا قبل البحث في دلالته على الحكم.

الثالثة: أما دلالة القرآن؛ ففيه ما هو قطعي الدلالة وهو ما لا تحتمل ألفاظه أكثر من تفسير واحد، ومنه ما هو ظنيّ الدلالة؛ وذلك أن دلالة اللفظ على المعنى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

1- النص، وهو اللفظ الذي لا يحتمل غير معنى واحد، أو هو اللفظ الصريح في معناه، بحيث لا يتطرق احتمال في الدلالة على المعنى، مثل قوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196]. فهذا نصّ في أن المقصود عشرة أيام تمامًا، ليست تسعة ولا أحد عشر.

2- الظاهر، وهو اللفظ الذي دل على معنى واحد، واحتمل معنى آخر احتمالًا مرجوحًا، مثل قوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ}، فالزكاة هنا تدل على المعنى الشرعي وهو الحقّ الشرعي الذي يجب في المال بشروطه، ويحتمل أن تدلّ هنا على المعنى اللغوي للزكاة وهو النماء والزيادة، ولكن دلالتها على المعنى الشرعي هنا أظهر من دلالتها على المعنى اللغوي.

3- المجمل، وهو أن يحتمل اللفظ الدلالة على معنيين أو أكثر بلا ترجيح لمعنى على آخر، والمجمل يحتاج إلى بيان لكي يمكن العمل به، ومثال الإجمال في القرآن: قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]. فلفظ القرء متردد بين معنيين: الحيض والطهر بدون ترجّح لأحدهما على الآخر، فلا يزول ذلك الإجمال إلا بدليل يعيّن المراد، ولهذا اختلف العلماء في المراد بالقرء في هذه الآية.

فيتبين مما سبق أن القرآن دلالته قطعية إذا كان اللفظ نصًّا في المعنى المراد، وشبيهة بالقطعية إذا كان المعنى ظاهرًا في المراد، وظنية إذا كان اللفظ مجملًا.

فليست دلالة القرآن ظنية على كلّ حال، وليست أيضًا قطعية على كلّ حال؛ بل الأمر فيه تفصيل كما سبق.

الجواب:

الجواب عن هذا السؤال يحتاج إلى استقراء تام لكلّ ما كُتب في أسباب النزول ثم الحكم بعد ذلك، ولكن أجيبك عن أفضل ما قرأته في ذلك.

من الكتب الجيدة التي كُتبت حول أسباب النزول من حيث أهمية هذا العلم ومكانته في التفسير ونحو ذلك ما يلي:

1- كتاب بعنوان «أسباب نزول القرآن: مصادرها ومناهجها»، للدكتور حماد عبد الخالق حلوة. وهو من الكتب الجيدة التي درست أسباب نزول القرآن من حيث الدراية، وأما من حيث الرواية فلا يخفى كثرة ما كتب فيها ولله الحمد.

2- «أسباب النزول وأثرها في التفسير»، للشيخ عصام بن عبد المحسن الحميدان. وهذا البحث كان رسالة أعدّها الباحث لنيل الماجستير في كلية أصول الدين بالرياض. وقد اطلعت عليها بشيء من العَجَلة في مكتبة قسم القرآن في الكلية ولم أدقّق في مميزاتها، ولم أطلع عليها مطبوعة بعد ذلك، ولا أدري هل طبعت أم لا؟

3- ما كتبه الطاهر ابن عاشور في مقدمة تفسيره حول أسباب النزول.

4- ما أشار إليه ابن تيمية في مقدمته في التفسير بشيء من الاختصار.

5- «أسباب نزول القرآن: دراسة وتحليل»، لعبد الرحيم فارس أبو علبة. وأذكر أن الدكتور عبد الحكيم الأنيس قد انتقده كثيرًا في مقدمة تحقيقه لكتاب «العجاب» لابن حجر، ومثله الدكتور فضل حسن عباس في كتابه «إتقان البرهان» في مبحث أسباب النزول.

ومن الكتب التي كتبت في دراسة موضوع أسباب النزول دراسة نقدية:

- كتاب «أسباب النزول» لبسام الجمل، وهو رسالة علمية تقدم بها الطالب لنيل درجة الدكتوراه، أشرف عليها الدكتور عبد المجيد الشرفي، بكلية الآداب بمنوبة - تونس، وذلك في 14 مارس 2003م، وهي دراسة جديرة بالمناقشة والقراءة من قبل المتخصصين لبيان ما فيها من صواب وغيره. وقد طبعت هذه الرسالة مؤخرًا في المركز الثقافي العربي بالمغرب عام 2005م، ويقع الكتاب في 472 صفحة من القطع العادي.

ومن الكتب الجيدة في هذا الموضوع:

- «أسباب النزول: تحديد مفاهيم، ورد شبهات»، للدكتور محمد سالم أبو عاصي. وهو كتاب متوسط الحجم، من إصدار دار البصائر بالقاهرة، وهذه هي الطبعة الثانية للكتاب، وقد صدر في نشرته الأولى باسم: «أسباب النزول بين الفكر الإسلامي والفكر العلماني».

وموضوع أسباب النزول من الموضوعات التي ولج منها ومن الحديث حولها الكتّاب العلمانيون، مستغلين قول القائلين أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ في قصر الدلالة القرآنية على زمن النزول، والقول بأن القرآن كتاب تاريخي تجاوزه الزمن، ولم يعد صالحًا للتطبيق في زماننا هذا! لذا يجب الاهتمام به والردّ على شبهاتهم وما ينشرونه من أباطيل.

الجواب:

كتاب «أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن» للعلامة محمد الأمين الشنقيطي
-رحمه الله- من الكتب المتينة في التفسير، ومؤلفه إمام كبير، وهو كتاب متقدم لا يستفيد منه حقّ الاستفادة إلا من عاش معه، وكان ذا علم بعلوم الآلة ولا سيما اللغة بفروعها وأصول الفقه؛ فالشيخ له في كلّ تلك العلوم اليد الطولى، وهو يفترض فيمن يقرأ كتابه أنه يعرف هذه العلوم جيدًا فيكتفي بالإشارات أحيانًا، وهذا يجعل المبتدئ في حيرة!

فإن كنت مبتدئًا في التفسير فدعه الآن، وليكن لك إليه عودة بعد ذلك إن شاء الله. وقد كنتُ أطالع فيه أيام دراستي في كلية الشريعة، فكنتُ أجد فيه صعوبة بالغة، فهجرته دهرًا، حيث كان يستغلق عليَّ أكثر مسائله، ثم عاودتُ النظر فيه بعد ذلك بزمن، فندمتُ على أني لم أكن اعتنيتُ به من قبل، ثم تبيّن لي أن تقدم العمر وتغيّر المدارك له دور في ذلك، ولذلك لم أعرف للكتاب قدره إلا بعد ذلك.

فالحكم على الكتاب يحتاج إلى طول ممارسة، وأذكر أنني سمعت سائلًا يسأل الدكتور
عبد الله بن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي مؤلف «أضواء البيان» يسأله هذا السؤال: كيف يمكن الاستفادة من كتاب «أضواء البيان»؟ فأجاب بنحو من قولي هذا، وقال إنه لا بد لكي تنتفع من هذا الكتاب من أن تعيش معه. والأمر كما قلتُ لك قبل، الشنقيطي -رحمه الله- برز في علم التفسير؛ لأنه أتقن كلّ علوم الآلة التي يحتاج إليها المفسر كتخصصات، فهو لغوي لا يُشق له غبار، ونحوي لا يبارى ولا يجارى، حتى إنه قيل: إذا سألت محمد الأمين الشنقيطي عن مسألة في النحو فقال لك: لا أدري، فلا تتعب نفسك في البحث عنها! وقد جرب الطلاب ذلك فوجدوه كذلك.

وهو أصولي نحرير، وله مصنفات في ذلك، وهو منطقي متقن، وله في ذلك ألفية منظومة، وله كتاب مطبوع.

وهو إلى ذلك فقيه مالكي من الدرجة الأولى، وهو بعد كلّ هذا يكاد يستظهر تفسير القرطبي «الجامع لأحكام القرآن»، وهو فوق ذلك عالم بالأنساب بكلّ معنى الكلمة، وبعد ذلك هو حافظ لأشعار العرب ولا سيما الجاهلي منه والإسلامي، وهو شاعر مطبوع.

وقد استعان بكلّ تلك الملكات والقدرات العلمية في التفسير، فأخرج لنا من بين ذلك كله «أضواء البيان»، والكتاب ليس مصنفًا عاديًّا كبقية كتب التفسير، وما أكثرها! بل هو تفسير محرّر، تحتاج للوقوف عند كلامه كثيرًا حتى تتصور مسائله وتفهم مراده.

فالأمر إذًا كما قلتُ لك: عليك بما يتناسب مع مستواك العلمي والذهني، أسأل الله أن ينفعنا جميعًا بالعلم، وأن يجعلنا ممن يعمل بعلمه. والله الموفق.