الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

عرض كتاب «المفصّل في تفسير القرآن الكريم، المشهور بتفسير الجلالين»

عرض كتاب

«المفصّل في تفسير القرآن الكريم، المشهور بتفسير الجلالين»

تحقيق: فخر الدين قباوة

كثرت الأسئلة عن طبعات وتحقيقات «تفسير الجلالين» للإمامين جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي -رحمهما الله تعالى-، وقد لقي هذا التفسير قبولًا حسنًا منذ تأليفه حتى اليوم، ويأخذه العلماء عن بعضهم بالأسانيد المتصلة بالجلالين -رحمهما الله-، ومخطوطاته في مكتبات العالم تعدّ بالمئات، وقد حظي هذا التفسير بعناية كبيرة من الحواشي والتقريرات والتعقّبات، وكثرة الطبعات المتنوعة من حيث الإخراج والتلوين والورق والأحجام لإقبال الناس عليه، وكُتبت الكثير من البحوث حوله في الجامعات والمجلات العلمية المحكّمة وغيرها.

وممن أفرده بعناية خاصّة من المحققين المعاصرين الأستاذ الدكتور فخر الدين قباوة، الباحث السوري المعروف بعنايته بكتب اللغة والنحو خصوصًا، وهو أستاذ الأدب والنحو بجامعة حلب بسوريا، نسأل الله أن يحسن خاتمته ويجزيه عن العلم خيرًا.

حيث قضى سنوات طويلة وهو يقوم على خدمة «تفسير الجلالين»، فأخرجه على مرحلتين:

1- المرحلة الأولى سماها «تفسير الجلالين الميسَّر»:

وهو تحقيق لتفسير الجلالين لم يتوسع فيه المحقق كتوسعه في الذي بعده، وسمى عمله (تحقيقًا وتعليقًا) فقط. وقد خرج هذا التحقيق عن مكتبة لبنان ناشرون في مجلد بلغت صفحاته (633) صفحة من القطع الكبير.

2- المرحلة الثانية سماها «المفصّل في تفسير القرآن الكريم، المشهور بتفسير الجلالين»:

وهو تحقيق لتفسير الجلالين أيضًا توسّع فيه المحقق كثيرًا، وسمى عمله (تحقيقًا)، وكتب: «وتعقب الإسرائيليات والأخبار الموضوعة وأوهام التفسير والنحو وأتم أسباب النزول والإعراب والصرف ومعاني الأدوات». وقد خرج هذا التحقيق عن مكتبة لبنان ناشرون أيضًا في مجلد ضخم جدًّا بلغت صفحاته (2272) صفحة من القطع الكبير، وهو -بالرغم من خفة وزن الورق- ثقيل جدًّا، حاولتُ أن أزنه فلم أظفر بميزان، ولكنني عندما أردت قراءته مستلقيًا لم أستطع لثقله على صدري!

وقد جاء متن تفسير الجلالين صغيرًا في مربع في أعلى الصفحة على اليمين، وبقية أجزاء الصفحة تعليقات للمحقق، توسّع فيها كثيرًا.

وقد تعرّض في دراسته للكتاب إلى نقد كلّ النشرات السابقة للكتاب نقدًا علميًّا، وعرض كلّ الحواشي والتقريرات التي كتبت حول تفسير الجلالين.

النسخ التي اعتمد عليها في تحقيق الكتاب:

1- عثر المحقق على عشرات النسخ للكتاب، وقد اعتمد منها النسخة التيمورية التي اتخذها أصلًا للتحقيق لنفاستها وجودتها وتقدّم نسخها، حيث كتبت سنة (914هـ) بخط أحمد النابلسي الذي كتبها وقد أشرف عمره على التسعين، وهي -كما يقول المحقق- أفضل النسخ التي اطلع عليها أو بلغه خبرها، فهي من أقدمهنَّ وأجودهن خطًّا وضبطًا وخصوصًا للآيات القرآنية، مما يشعر أن القراءة التي اختارها الجلالان مدونة فيها.

2- النسخة الظاهرية، ويوجد في المكتبة الظاهرية عدة نسخ مخطوطة للتفسير اختار منها المحقق أجودها، ذات الرقم (7157)، وهي نسخة تامّة فرغ ناسخها منها في سنة (931هـ).

3- نسخة الثانوية الشرعية بمدينة حلب، وهي نسخة شبه تامّة أفاد كثيرًا من حواشيها وتعليقاتها.

4- النسخة الحلبية، وهي نسخة قيّمة محفوظة في مكتبة الشيخ المحقق الأستاذ عبد الرحمن عطبة، وقد أفاد منها المحقق.

هذه النسخ المخطوطة الأربع هي التي اعتمد المحقق عليها، مع نسخ رديفة أخرى أفاد منها كذلك.

وقد بدأ تحقيق المحقق للكتاب بعد أن بلغ الخامسة والسبعين من العمر، بعد بضع وستين سنة من صحبته لتفسير الجلالين قراءة وتدبرًا ودراسة، وبعد أن استمر عمله في تحقيق الكتاب ما يقارب العشرين سنة، وقد روى بأسلوبه الأدبي تلك الرحلة والتجربة.

وقد تتبع المصادر التي رجع إليها الجلالان في تفسيرهما، وقد انتفع بدلالة السيوطي له في ترجمته للكواشي الموصلي (ت680هـ) بأن تفسير الكواشي من مصادر المحلي التي اعتمدها في تفسيره، واعتمدها هو أيضًا في تكملته لتفسير المحلي، مع إضافته لكتاب «الوجيز» للواحدي وتفسيري البيضاوي وابن كثير، وهذه الأربعة من أهم مصادر «تفسير الجلالين».

وتبين للمحقق أيضًا أن الجلالين اعتمدا أيضًا على «معاني القرآن» للفراء والزجاج، و«إعراب القرآن» للنحاس، و«معالم التنزيل» للبغوي، و«الكشاف» للزمخشري، و«التبيان في إعراب القرآن» للعكبري، وتفاسير الخازن وأبي السعود وابن عطية والقرطبي وأبي حيان، و«الدر المصون» للسمين الحلبي.

القراءة التي اعتمدها الجلالان في التفسير:

ذكر المحقق أنه عثر على نسخة مطبوعة في القاهرة في مطبعة البابي الحلبي من تفسير الجلالين كتب على غلافها من الداخل: «مراعاة لحقوق المؤلفين قد أثبتنا القرآن الكريم مضبوطًا بالشكل الكامل على حسب رواية الشيخيْنِ المفسرَيْنِ، وإن كانت تخالف رواية حفص»، فدعاه ذلك إلى الاستعانة بها، وقد تبيّن للمحقق بعد التتبع الدقيق للقراءة التي اعتمد عليها الجلالان أن جمهورها الأساسي معتمد على قراءة أبي عمرو ابن العلاء البصري (ت154هـ)، وما خالف ذلك كان فيه أشياء من قراءة عبد الله بن كثير المكي (ت120هـ)، ثم من قراءة نافع مقرئ المدينة (ت169هـ)، ثم من قراءة ابن عامر الدمشقي (ت118هـ)، وما خالف ذلك فنادر ومعظمه عند جلال الدين المحلي في الجزء الذي فسّره. وقد تمّت كتابة الآيات بهذه الروايات كلها كما هي في الأصل.

ترتيب التحقيق:

كلّ النسخ المخطوطة التي ذكرها المحقق للكتاب تبدأ بتفسير سورة البقرة حتى نهاية سورة الإسراء وهذا من عمل الإمام السيوطي، ثم من بداية الكهف حتى نهاية القرآن، ثم يختم بسورة الفاتحة وهذا صنيع المحلي.

ولكن المحقق رتب التفسير، فجعل تفسير المحلي للفاتحة أولًا ثم تفسير السيوطي حتى نهايته، ثم تفسير المحلي حتى سورة الناس.

وقد جعل كتابة الآيات في التفسير بالرسم الإملائي لا العثماني تسهيلًا على القراء كما يقول -وفقه الله-، ما عدا الأحرف المقطعة في أوائل السور فقد أبقاها بالرسم العثماني.

كما عني المحقق كثيرًا بعلامات الترقيم في ضبط نصّ التفسير ليسهل القراءة فيه.

وقد توسّع المحقق في الاستدراك على الجلالين معتمدًا على مصادرهما، وأكثرَ من ذلك حتى أصبح الكتاب بتحقيقه موسوعة تفسيرية كبيرة فيها الكثير من الفوائد. وقد توسّع المحقق في الإعراب والصّنعة النحوية المركزة ومعاني الأدوات النحوية كثيرًا، وأتى بفوائد خبيرٍ مهمّة.

فهارس التحقيق:

ختم المحقق تحقيقه بفهارس متنوعة للأحاديث والآثار، ولمسائل العربية، وللمفردات الصرفية التي حللت صرفيًّا، ولأوهام وهنات المفسرين التي تعقبها المحقق وهي كثيرة. وبعدها فهرس محتويات الكتاب ومصادر التحقيق.

وقد فرغ المحقق من تحقيقه في 1 رمضان 1426هـ، وتاريخ طبعته الأولى 1429هـ - 2008م.

وفي الحقّ إنه جهد علمي موفّق، بذله المحقق الدكتور فخر الدين قباوة، وقد فاق بتحقيقه الموسّع المفصّل هذا عملَ المفسرَيْنِ -رحمهما الله-، وظهر في تحقيقه مبلغ علمه ودقته في فنون العلم التي تعرضا لها، ويعدّ كتابه تفسيرًا لتفسير الجلالين، وخدمة علمية عظيمة لهذا التفسير تربو على كلّ الخدمات والتحقيقات السابقة. وهذه يد منه على طلاب العلم أحسن الله مجازاته وتقبل منه.

وفي الختام أسأل الله أن يتقبل من المحقق عمله، ومن المفسرَيْنِ عملهما.

الرياض في 8/3/1431هـ