الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

التعريف بكتاب «النصّ القرآني من تهافت القراءة إلى أفق التدبر»

التعريف بكتاب

«النصّ القرآني من تهافت القراءة إلى أفق التدبر»

للدكتور قطب الريسوني

بيانات الكتاب:

العنوان: النصّ القرآني من تهافت القراءة إلى أفق التدبر.

تأليف: د. قطب الريسوني.

دار النشر: وزارة الأوقاف المغربية.

سنة النشر: الطبعة الأولى (1431هـ).

عدد الأجزاء والصفحات (الوعاء): مجلد، (580ص) من القطع العادي.

تناول الكتاب موضوعًا مهمًّا في خضم كثرة الكتب التي تثير الشبهات حول القرآن بحجة قراءته قراءة معاصرة، فوقع في أعمالهم الكثير من التحريف والابتعاد عن معاني القرآن التي يحتملها إلى معانٍ باطلة.

وقد شرح المؤلف في مقدمته الغرض من كتابه، ومنهجه، والخطة التي بنى عليها كتابه، وفي ذلك ما يعطي القارئ طرفًا من مقصود الكتاب، وختمه بخاتمة لخص فيها أبرز نتائجه، وألحق بالكتاب عدة ملاحق مفيدة عن الكتب والمصطلحات المتعلقة بالموضوع.

وفيما يلي إيراد للمقدمة والخاتمة والملاحق، وأرجو أن يكون في هذا كفاية للمستعجل، ومن شاء التفصيل فلا بد من قراءته للكتاب كاملًا.

مقدمة الكتاب

يعد القرآن الكريم رأس مقدسات الإسلام، وعمدة التشريع وينبوع الحكمة، يعطف النفوس إلى الحقّ، ويلفت العيون إلى النور، ويهدي الحيارى إلى السبيل القصد. فلا غرو أن ينزله المسلمون -على تراخي العصور- منزلة التقديس والإكبار، ويعكف العلماء على الاستمداد منه تبيانًا للأحكام، ومدارجةً للنوازل، ونهوضًا بحجة الله تعالى على خلقه.

وإنّ المفسرين أحظى الناس بصحبة القرآن، وأدناهم إلى مناهل الوحي، وأقعدهم بمناهج فهمه وتدبره، وقد ساروا في هذه المناهج عنقًا فسيحًا، لا يصرفهم صارف عن التأصيل لقواعد النظر الصحيح، والتدبر الأمثل، فضلًا عما جادت به أقلامهم من تفسيرات شتى للنص القرآني، تفاوتت في منازعها ومشارعها تفاوتها في مقادير الإجادة والإحسان، بيد أن استفراغهم الواسع في التأصيل والتعقيد لم يكن عاصمًا لبعض المذاهب والفرق من ركوب التأويل المستكره، والرأي المذموم، انتصارًا للمعتقد، أو نضحًا عن المذهب!

وإذا كانت فتنة التأويل ذرّ قرنها في عصور ذهبية، وديار العلم مأنوسة، وحملة القرآن متوافرون، والاجتهاد في حياطة من القواعد، وإلى ملجأ من النظر السديد، فما بالك اليوم، وقد انكمش ظلّ العلم، وقلّت الديانة، واستحكمت الأهواء، وأصبح التفسير -على جلالة قدره وشرف صناعته- متنفسًا لكلّ ذي دخلة سيئة، وعقيدة رديئة، ومصداق ذلك ما يروج من دعوات إلى (القراءة الحديثة) و(الهرمنيوطيقا) و(تنقيح النصّ القرآني)، وكأنها باطنية جديدة في مواجهة الوحي المنزّل!

مهما يكن من أمر فقد نقب هذا النقب في فكر الأمة، وتدسّس منه من تدسس، وتطاير هرج ومرج، وسهرت أعين، وغفت أعين: سهرت أعين تربصًا بمقدسات الإسلام، وتأهبًا لإبادة تراثه التفسيري، وغفت أعين تهوينًا للأمر، أو غفلةً عما يراد بدين الله تعالى، فجاء النسف في مسلاخ التجديد!

من هنا يلجّ الداعي إلى بيان ضوابط التفسير عند أهله، وتعقّب التأويلات المعاصرة الزائغة للنصّ القرآني، وقد رأت في نفسها البديل الأمثل لتفسير علماء السلف، والفهم الذي لا ينزع إلى غير الصواب، وإن تكلفت له المحامل الباردة، وذهبت فيه مذهب البواطيل كلها.

1 ــ بواعث التأليف في الموضوع:

ليس من الهيّن والميسور أن يرتصد المؤلف لبيان البواعث الحاملة على انتقاء موضوعة ومجال بحثه، لتداخلها وتضايفها من جهة، وترددها بين الجانبين الذاتي والموضوعي من جهة، وخفائها على المؤلف نفسه من جهة ثالثة؛ إذ قد يحمله على التأليف أحيانًا باعث شعوري فياض لا يني عن مطالعته من شتى أقطار الفكر، لكنه لا يستطيع تبيّن ملامحه الموضوعية، أو صياغته في قالب علمي محكم.

ولما كانت مادة القول في هذا الباب حافلة، والشوط بطينًا، فإنني لن أطيل في الحشد والاجتلاب، مجتزئًا بأقوى البواعث تسلطًا على النفس، وتهييجًا للفكر:

أ ـ بيان جهود علماء الأمة في حياطة التفسير بالنظر الصحيح، والتدبر بقواعدهم، والارتياض بأساليبهم، تحصيلًا للدّربة، والمران، والملكة التفسيرية.

ب ـ تقويم جهود المفسرين في خدمة النصّ القرآني على نحو يميط اللثام عن ثغرات النظر، ومزالق الفهم، فتحذر وتجتنب، وذلك أن صناعتهم في التفسير، وإن أوتيت حظًّا غير يسير من النضج المعرفي، والإحكام المنهجي، فقد داخلها الشطط في مواضع شتى، بسبب غلبة التعصب، واستحكام الميل المذهبي، وتسلّط النزعة العقلية، وهذه آفات تذهب بالحصافة، وتصدّ عن الاتزان، وهيهات أن يكون الأمر فيها مقدارًا عدلًا، ومنهجًا لاحبًا مع ذلكم الهوى الغلاب!

ج ـ تعقّب المشروع الحداثي في قراءة النصّ القرآني، وتتبع أباطيله التي أغرت بالتهجّم على الوحي، وإصغار أمره، وإيثار غيره بالتجلة والإكبار، حتى إذا أفرغ من قِيَمه البانية الهادية، تيسر حمل الناس على مذاهب التغريب، والتضليل، والغزو الفكري. وإن سدنة هذا المشروع صنيعة الاستشراق، وأذناب المستشرقين، فهم في غاية التشبه بهم، ونهاية المشاكلة لهم، وما يزالون إلى يوم الناس على إرث من أفكارهم، يأخذون من سمتها، ويتجاذبون على منهجها.

د ـ صياغة منهج محكم لتفسير النصّ القرآني يصلح أن يكون فاتحةً لعلم التدبر، وهو علم تناوله الأسلاف في نظرات عجلى، تمهيدًا لسُبُله وفتحًا لمغالقه، وأضاف إليه المعاصرون لبنات تأصيل وتقعيد، وما زال متّسع القول فيه فسيحًا يغري بالإضافة العلمية، وتلاقح الأنظار.

2 ــ الدراسات السابقة والإضافة المعرفية:

كان للباحثين المعاصرين سبق محمود إلى معالجة قضية (قراءة النصّ القرآني) من جهتين منفصلتين:

الأولى: التأصيل لمنهج تفسير النصّ القرآني فهمًا واستنباطًا، وبيان المحاذير التي تجتنب في هذا التفسير، ومن الكتب النافعة في هذا الباب:

أ ــ أصول التفسير وقواعده، لخالد عبد الرحمن العك.

ب ــ كيف نتعامل من القرآن؟ لمحمد الغزالي.

ج ــ كيف نتعامل مع القرآن العظيم؟ ليوسف القرضاوي.

د ــ قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله، لعبد الرحمن حسن حبنكة الميداني.

الثانية: نقد القراءات المعاصرة للنصّ القرآني، وفضح عوارها في ضوء قواعد الاستدلال وأصول البحث العلمي، ومن الكتب المفيدة في هذا الباب:

- القراءة الجديدة للنص الديني، لعبد المجيد النجار.

- تأويل النص القرآني بين الحداثة والمعاصرة، لعبلة عميرش.

- تهافت القراءة المعاصرة، لمنير محمد الشواف.

- التحريف المعاصر في الدين، لعبد الرحمن حبنكة الميداني.

- التيار العلماني وموقفه من تفسير القرآن الكريم- عرض ونقد، لمنى محمد الهبي الشافعي.

- دعوى القراءات المعاصرة للقرآن الكريم- دراسة تحليلية نقدية، لأحمد بشير قباوة.

- خطابات دعوى فلسفة التأويل الهرمنيوطيقي للقرآن الكريم، لفهمي سالم زبير.

- العلمانيون والقرآن، لصلاح يعقوب.

- القرآن وأوهام القراءة المعاصرة، لجواد عفانه.

- القراءة المعاصرة تحت المجهر، لسليم الجابي.

- القراءة المعاصرة للقرآن في الميزان، لأحمد عمران.

- القراءات المعاصرة للقرآن الكريم في ضوء ضوابط التفسير، لمحمد محمد كالو.

وهذه الأوضاع -على تفاوت أصحابها في مقادير الإحسان، وحظوظ الوفاء بأشراط البحث العلمي- أضافت جديدًا مبتكرًا إلى المكتبة القرآنية، وانتهضت للذبّ عن حياض القرآن إلبًا واحدًا على القراءات المعاصرة المتهافتة، ولعلّ العلّة في كثرة الردود عليها أن أهل النقد كلما حاصوا شقًّا تخرّق عليهم آخر، وكلما سدّوا ثلمة انفتحت أخوات لها أوسع!

وإنّ مكمن الجدة والإضافة في هذا الكتاب أنه يحوي بين جانحتيه نقدًا رصينًا لتهافت القراءة المعاصرة، ومدخلًا تأصيليًّا إلى علم التدبر القرآني، والجمع بينهما لم يكن غرضًا متشوفًا إليه في الدراسات السابقة، فضلًا عما زخر به الكتاب من إشارات أبكار في هذا المجال أو ذاك، مما جادت به القريحة، وأسعف عليه القلم.

3 ـ خطة البحث:

استوى البحث في مقدمة، وأربعة فصول، وخاتمة:

المقدمة: عنيت باستجلاء بواعث التأليف، ومكمن الجدة فيه، وبيان خطة البحث، ومنهجه المختار في حقل الدرس والتقويم.

الفصل الأول: وسم بعنوان: (ضوابط تفسير النصّ القرآني عند علماء المسلمين: نحو نموذج للمفسر الأمثل)، وتحته ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: في بيان ضوابط التأهيل.

المبحث الثاني: في بيان ضوابط التأويل.

المبحث الثالث: في بيان ضوابط الفهم والتنزيل.

الفصل الثاني: وسم بعنوان: (مزالق المفسرين القدامى والمحدثين: رؤية نقدية)، وتحته ثمانية مباحث:

المبحث الأول: تسلط العقل على النصّ.

المبحث الثاني: التعصب المذهبي.

المبحث الثالث: الاستغناء باللغة عن الرواية والسماع.

المبحث الرابع: الأخذ بالأحاديث الضعيفة والموضوعة.

المبحث الخامس: الأخذ بالإسرائيليات.

المبحث السادس: الأخذ بالأقوال التفسيرية الشاذة.

المبحث السابع: الغلو في التفسير الإشاري.

المبحث الثامن: التكلف في التفسير العلمي.

الفصل الثالث: وسم بعنوان: (القراءات المعاصرة للنص القرآني: تأويل أم تبديل؟)، وتحته ثمانية مباحث:

المبحث الأول: القراءة التاريخية: محمد أركون أنموذجًا.

المبحث الثاني: القراءة الهرمنيوطيقية: نصر حامد أبو زيد أنموذجًا.

المبحث الثالث: القراءة اللغوية التشطيرية: محمد شحرور أنموذجًا.

المبحث الرابع: القراءة النسوية للنصّ القرآني: آمنة ودود أنموذجًا.

المبحث الخامس: روافد القراءة المعاصرة للنص القرآني.

المبحث السادس: أسباب تهافت القراءة المعاصرة للنص القرآني.

المبحث السابع: مقاصد القراءة المعاصرة للنص القرآني.

المبحث الثامن: موازنات واستنتاجات.

الفصل الرابع: وسم بعنوان: (ضوابط القراءة الراشدة للنص القرآني: مدخل إلى عمل التدبر)، وتحته ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: آداب القراءة الراشدة للنصّ القرآني.

المبحث الثاني: قواعد القراءة الراشدة للنصّ القرآني.

المبحث الثالث: خوارم القراءة الراشدة للنصّ القرآني.

الخاتمة: أودعتها خلاصات وملاحظ حول واقع القراءات المعاصرة للنصّ القرآني، وآفاق التدبر القرآني المنشود.

4ـ المنهج العلمي:

ترسمت في الكتاب منهجًا لاحبًا لا يشذ عن آداب الاستدلال وشرائط البحث العلمي، وفيما يأتي بيان عناصره:

أـ الاستقراء: أفدت منه في تتبع الموضوعات ذات الصلة بعنوان البحث وهو ذو شقين: أولهما: نقد القراءات المعاصرة للنص الديني، والثاني: منهج علم التدبر القرآني. كما كان المنهج الاستقرائي خيارًا أثيرًا في تتبع الشبهات والتخرصات وتعقب أصحابها بالدليل الناهض والحجة الملزمة.

ب ـ التأصيل: توسلت به في وضع قواعد التدبر الأمثل للقرآن الكريم وصياغة نظرية تأويلية إسلامية قادرة على مقارعة البدائل المنهجية الغربية وصد غارتها على النصّ القرآني، مع الترحيب بالجديد النافع الذي يحفظ للقداسة صبغتها، وينزل الوحي منزلته المنيفة.

ج ـ النقد: وهو عنصر مكين في المنظومة المنهجية للبحث لا يأتي وزن الآراء وسدّ الثغرات إلا به، وقد كانت له صولات وجولات في تعقب القراءات المعاصرة للنصّ القرآني، وبيان عوارها في ضوء الأدلة النواهض، إلا أنني لم أجد فيه مجرى الولع بالتعنّت والتهافت على التنقّص، وتحجير الواسع مهما اتسع وإنما كنت أزن بميزان الإنصاف والحيدة، لا يصرفني عنه صارف من سوء التقدير أو الهوى الغلّاب!

وقد يترجرج في النفس سؤال لا سبيل إلى دعّه وهو: أليس في الرد على بدع الرأي  وسقطات الاجتهاد، إحياء لها، وإغراء بالإقبال إليها، وقد يكون في التجافي عنها، إماتة لها، وتبكيت لأهلها؟ والجواب: أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها؛ لأن الباطل قد يستشتري في غفلة الحق عنه، والأغمار قد يغترون بالشبهات، وتزيغ أبصارهم ببهارج الفكر الغريب المستورد! فيتعين هنا الرد على الانحراف، والتصدي لأهله، حتى تقر الحقيقية في نصابها، وينهار الباطل تحت ركام كثير! والمرجع في هذا الأمر إلى الموازنة بين المصالح والمفاسد، وتقدير مآلات الأمور، والله أعلم.

د ـ الموازنة: وهو قاعدة ينتفع بها في تبّين المحاسن والآفات، وتجلية الفروق بين المختلفات أو المتشابهات في الصورة دون المخبر، وقد جرّنا البحث إلى إعمال هذه القاعدة في مجال التمييز بين هدي السلف في تفسير النصّ القرآني، ومنهج القراءات المعاصر، بل إن القاعدة تراحب مجال إعمالها عند الاحتكام إليها في استجلاء الفروق بين مناهج القراءة المعاصر في الإجراء والمآل.

هـ ــ التوثيق: وهو الثابت المكين الذي يستوي به البحث على سوقه، وترد الأمور إلى نصابها، وقد جرينا فيه على الجادة بالعزو إلى المصادر، وتوثيق الآي، وتخريج الأحاديث، وبيان رتبتها إذا رويت في غير الصحيحين.

نسأل الله تعالى أن يوطىء لهذا الكتاب أكناف القبول، ويجزل ثوابه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم، والحمد لله فاتحة كل خير، وتمام كل نعمة.

قطب الريسوني

الشارقة 3 ربيع الأول 1431هـ

خاتمة الكتاب

إنّ القرآن الكريم قوام نهوض هذه الأمة، ومناط استئنافها الحضاري، ودليل سيرها وسُراه. فلا عجب أن يتزاحم على ساحته المفسرون، ويتهدّى بنهجه المصلحون، ويفيئ إلى ظلاله المنحرف، والضال، والمغموص عليه في دينه! لكن عجبي لا ينقضي من قوم دلفوا إلى حمى القرآن بذرائع شتّى، وعزائم متناصرة على الدسّ، والتحريف، والتلبيس، وكأني بهم يرون الهدم واجبًا حضاريًّا عينيًّا، وشرطًا مرعيًّا لبناء النموذج الصالح، وصياغة البديل الصحيح!

ولا نملك اليوم، والحداثة في ريعانها واندفاع موجتها، والتطاحن المذهبي في أوج احتدامه، إلا أن نحوط قراءة النصّ القرآن بضوابط عاصمة من الزلل، وقواعد صارفة عن الهوى، ومناهج مناهضة لدسائس البدع، ومقحمات الشوائب. ثم نرتصد -بعد هذا التأصيل الضروري- لمواجهة الزيف الفكري الذي بشّرت به كلّ قراءة معاصرة ناقمة على قداسة القرآن ومنزلته المنيفة! وهذان المقصدان: مقصد التأصيل، ومقصد النقد، تشوّف إليهما هذا الكتاب، وأفسح لهما حظًّا غير منقوص من الاحتفاء والاعتناء.

وبعد هذا التطواف الرحيب المثمر في آفاق النص القرآن، ومسارب فهمه وتدبره، نخلص إلى بيان الملاحظ والنتائج الآتية:

1) يزخر التراث الإسلامي في علوم القرآن والتفسير وأصول الفقه بقواعد ضابطة لفهم النصّ القرآني وتأويله وتنزيله على الواقع، وهي قواعد تصلح أن تكون لبنة تأسيس في صرح علم التدبر القرآني. وقد أدرك المفسرون وعلماء القرآن ندرة القارئ أو المؤول الأمثل الذي يحيط خبرًا بمراد النصّ كما أراده مؤلفه، فارتصدوا لبيان شروط التفسير، ومؤهلات المفسر، إنضاجًا لملكات القراءة، ونهوضًا بصنعة الاجتهاد.

2) إذا كان التراث التفسيري -في جزء منه- مشوبًا بمقحمات الزوائد، ودسائس البدع، وأمشاج التلوين المذهبي، مما يستوجب تهذيبه، وتنقيحه، وتبصير الناس بأوصابه وأوشابه، فإن هذا كلّه لا ينهض مسوغًا للعزوف عنه، وانتجاع الغيث في محاضن المناهج الغربية الوافدة التي شحنت بخلفيات أصحابها، وحمولات البيئة التي تشكلت فيها، فضلًا عن مجافاتها لطبيعة النصّ القرآني بجلاله، وقداسته، وربانيته!

3) إنّ أحلاف القراءة الحداثية، وأسراء المناهج الغربية، متواطئون على خلع أسمال القداسة عن النصّ القرآن، ووسيلتهم إلى ذلك إثبات تاريخيته من جهة، والمساوة بينه وبين التوراة والأناجيل من جهة، وافتعال القطيعة بين القرآن والمصحف من جهة ثالثة، وما شئت من هذه الدعاوى العريضة التي لم يقم لها ساق، ولا استقام لها منحى، مع كلّ هذا الحشد والاجتلاب للمناهج الغربية، وجرّها إلى ساحة القراءة والتأويل.

4) تتسم القراءة المعاصرة بضياع الهوية والمعنى، وانحلال حبوة المنهج؛ إذ تتسكع في مسارب منهجية شتّى، إيمانًا بـ(التعددية)، و(تلاقح الصيغ) و(تكامل الأبعاد)، وما شئت من هذه الذرائع التي تؤول في نهاية المطاف إلى تلفيق تتجانف عنه طبيعة المنهج نفسه، وطبيعة النص المنزَّل عليه! والقصد من وراء ذلك أن يصبح القرآن متنفسًا لكلّ قراءة، ومرتعًا لكلّ تأويل، ووعاءً ينضح بالتلوين الذاتي! وإن شئت الشواهد من لسان القوم على هذا الضياع المنهجي، فلا شاهد أصدق من قول أركون: «إن القراءة التي أحلم بها هي قراءة حرّة إلى درجة التشرد والتسكع في كلّ الاتجاهات، إنها قراءة تجد فيها كلّ ذات بشرية نفسها، سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة، أقصد قراءة تترك فيها الذات الحرية لنفسها ولحركيتها الخاصة في الربط بين الأفكار والتصورات، انطلاقًا من نصوص مختارة بحريّة من كتاب طالما عاب عليه الباحثون فوضاه، ولكنها الفوضى التي تفضل الحرية المتشردة في كلّ الاتجاهات»[1].

5) إذا كان الخيار الأثير للقراءة المعاصرة امتطاء حصان الحداثة الغربية، وهو حصان أقل خطبه النفار والشراد، فإن هذا الخيار قاد إلى الارتماء في أحضان النموذج الغربي، والانفصال عن الجذور التراثية إلى حدّ العداء المستحكم وقطيعة الرحم! وآية ذلك أننا نلحظ أن القارئ أو المؤول الحداثي في غاية الشبه بالمستشرقين، والمشاكلة لهم، والولع بما يصدر عنهم ويرد عليهم، والنسج على نولهم في مراوغة النصّ، وحجب الحقيقة، وحوك الشبهات! والحداثة المقلدة لا تملك مسوغَ وجودها، وشرط صيرورتها وهو الإبداع في البحث والنظر، وتجديد الأدوات.

وهنا لا بد من كلمة إنصاف في حقّ بعض المناهج الغربية الذي يزخر بإمكانات جيّدة في التحليل، والسبر، والتأويل، من شأنها أن تضيء خبايا النصّ القرآني، وتغوص على مراداته، بيد أن تنزيلها على محلّ مخصوص هو الوحي، مشروط بمراعاة صفة الربانية، وقدسية الخطاب، ومن هنا لا بد أن يعدل في هذا الاستثمار المنهجي عن باعث الانتقاد إلى باعث الاعتقاد. وإنما شنّت الغارة على المناهج الغربية بقضّها وقضيضها؛ لأن المتوسّل بها أفرغها من (العلمية)، وشحنها بـ (العلمنة)!

6) إنّ المؤوَّل المعاصر ليس مطالبًا بالنسج على نول المفسرين الأوائل في فهم النصّ القرآني، لا يحيد عنهم قيد أنملة؛ وإنما المعاصرة الحية تملي المزاوجة بين استحضار الإرث التفسيري استحضارًا واعيًا متبصرًا بأصول هذه المرجعية ومزالقها، ومدارجة الثقافة الحديثة ووقائع العصر، على نحو يراعي فقه الواقع، والمناطات الجديدة التي تدور عليها النوازل المستأنفة، وبذلك يكون وعي المؤوِّل رحيبًا ومدركًا لحركة التاريخ، وصيرورة الواقع، وامتداد المستقبل.

إنّ تفسير النصّ القرآني لا ينتج قراءة مبدعة وتدبرًا صحيحًا إلا بانطلاق القراء أو المؤوَّل من ثلاثة منطلقات: تأدب مع النصّ، واستبطان له، وخشية عليه، أما المنطلق الأول فيراعي آداب التعامل والتعايش، وأما الثاني فيراعي قواعد السبر والتأويل، وأما الثالث فيراعي محاذير التحريف والإلحاد في آيات الله تعالى.

إنّ استئناف الأمة الإسلامية لقيادتها الحضارية، واستقلالها بالجواب عن تحديات العصر ونوازله المستأنفة، واجب مضيَّق على حد تعبير الأصوليين، ولا يتأتى هذا الاستئناف أو ذاك الجواب بمعزل عن الهدي القرآني، وتفعيل مراداته؛ بل إن هذا الهدي لا يصبح قيمًا على الناس والواقع والتاريخ إلا بإحاطة مصدره بضوابط تأويلية عاصمة من الزلل والهوى وزخرف القول.

فهل من قراءة مبدعة منتجة للنصّ القرآني، تبصر الناس بهديه وهداه، وتشق لمراداته المجرى الفعلي في معاش الناس، مع مدارجة منطق العصر، وسنة الواقع، وعبرة التاريخ؟

وهل من تأويل سائغ مقبول يلقي إليه الناس أسماعهم، ويبلغ منهم غاية الإقناع، دون أن تمتهن حرمة الوحي، وكرامة العلم؟

وهل من رؤية حصيفة نافذة تميزّ في التفسيرات العصرية بين علم ودجل، وأصالة وبهرج زيف، ومنطق وادعاء؟

وهل من غيرة على قداسة القرآن، تصدّ عنه هذا التيار الجامح الذي ما فتئ يحتال على الناس بتأويلات خلابة، ويصدّ عن التدبر الصحيح للوحي؟

إنّ الجواب عن هذه الأسئلة فرض عيني على علماء المسلمين كافة، وإذا كانت هذه الدراسة قد اضطلعت بعبء في هذا المجال، فإن ذلك جهد المقلّ، وإسهام الفرد، ولا يغني عن تناصر الجهود، وتآزر البواعث، واجتماع الخواطر، فتجتمع الأمة برمتها على مقصد النهوض بعلم التدبر القرآني، وصدّ الأدعياء عنه، تتساند له بعدتها وعددها، يشدّ بعضها بعضًا فيه.

وإني اليوم إذ أصغي على أحلاف الحداثة، وأتأمل دعوتهم إلى تأويل القرى، بمناهج الغرب، وتطبيق قواعد النقد التاريخي على الوحي، بدعوى مساواته بالتوراة والأناجيل، أجد في ذاكرتي ومسمعي أصداء مماثلة من دعوة جاهلية بشّر بها المرتابون في كتاب الله تعالى، لما كانت تتلى عليهم الآيات البينات، ويفصّل لهم هداها من قَبل الرسول المبلغ عليه الصلاة والسلام: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15].

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم.

وقد أورد المؤلف خمسة ملاحق ذيّل بها كتابه، وهي:

- مصطلحات القراءة المعاصرة للقرآن الكريم (مشروع معجم).

- مسرد مصادر القراءة المعاصرة للقرآن الكريم.

- مسرد الردود على القراءة المعاصرة للقرآن الكريم.

- فتوى مجمع الفقه الإسلامي بجدة حول القراءة المعاصرة للقرآن الكريم.

- الكلمة الختامية لمؤتمر (العودة إلى القرآن الكريم) حول القراءة المعاصرة للقرآن الكريم.

وكان هذا عرضًا موجزًا، والكتاب من الكتب المهمة، وهو جدير بالقراءة، جزى الله مؤلفه خيرًا، ونفعنا بالعلم النافع، وصلى الله وسلم على عبده ونبيّه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

[1] الفكر الأصولي واستحالة التأصيل لأركون، ص 76.