الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

التعريف بكتاب «العَلَم الأعجمي في القرآن مفسرًا بالقرآن»

التعريف بكتاب «العَلَم الأعجمي في القرآن مفسرًا بالقرآن»

من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن، وجه في إعجاز القرآن جديد

 

 

تأليف: رؤوف أبو سعدة
 بيانات الكتاب:
العَلَم الأعجمي في القرآن مفسرًا بالقرآن
رؤوف أبو سعدة.
دار النشر: دار الهلال - مصر.

سنة النشر: بدون.
عدد الأجزاء والصفحات (الوعاء) : جزآن، ج1(323ص)، ج2(414).

يعدّ هذا الكتاب من الكتب النفيسة حقًّا، وقد كتبه مؤلفه بنَفَسٍ هادئ، وعلمٍ غزير، وقد التفتَ إلى وجهٍ من أوجهِ إعجاز القرآن لم يُسبق إليه على هذا النحو. وموضوع الكتاب يظهر من عنوانه.
والكتاب في حقيقته ثمينٌ جدًّا، ويحتاج إلى تأمّل عميق، ونظرٍ دقيق، ومؤلفه قد أجاد عدة لغات مكّنته من المناورة العلمية بسعة ورحابة، وليس كعمق العلم والتحصيل في مناقشة المسائل!

والمؤلف يقرر أنّ القرآن يفسّر في ثنايا الآيات المعنى الدقيق لكلّ اسم أعجمي عَلَم ورد فيه، أيًّا كانت اللغة المشتق منها هذا الاسم الأعجمي العَلَم، وإن كانت لغةً منقرضة يجهلها الخلق أجمعون عصر نزوله. وأسلوب القرآن في ذلك كما يقول المؤلف «المجانسة على الاسم العَلَم بما يفسّر معناه أبين تفسير»، وقد استطرد المؤلف إلى قضايا كثيرة عقدية ولغوية وتاريخية.

وقد كتب عنه مقالة ضافية الأستاذ الدكتور محمود الطناحي -رحمه الله رحمة واسعة- في مجلة «الهلال» في يناير عام 1994م، بعنوان: «من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن»، وقد أثنى ثناء عاطرًا على الكتاب ومؤلفه، وقال عن المنهج الذي سلكه مؤلف الكتاب:

«ويأتي كتابنا هذا في علم إعجاز القرآن نمطًا وحده، فقد أداره مؤلفه على وجهٍ من إعجاز القرآن جديد، لم يسبقه إليه سابق، ولم يفطن إليه باحث... وهذا الوجه من الإعجاز القرآني الذي قام له المؤلف ونهض به، وجه قاطع باتٌّ، لا تصح فيه لجاجة، ولا تسوغ معه مخالفة؛ لأنه قائم على قواعد اللغة، ومستند إلى أحكام التاريخ، وليس للهوى فيه حظ أو نصيب»[1]، ولم يأخذ الدكتور الطناحي -رحمه الله- على المؤلف إلا تعبيره بموسيقى القرآن، وذمّ هذا التعبير وأمثاله كثيرًا، رحمه الله وجزاه خيرًا.

ولا شكّ أنَّ الاطمئنان لنتائج البحث في هذا الكتاب كما ينبغي، والثقة بما فيه تحتاج إلى معرفة اللغات التي يتحدث عنها، وقد شعر المؤلف بذلك التساؤل الذي لا بد وأن يطرأ على ذهن القارئ، فقال: «وأنا أيها القارئ العزيز -إن كنت لا تعرف عبرية التوراة، أو يونانية الأناجيل- بما في هذه وتلك من أعلام آرامية بل ومصرية أحيانًا لا أريد أن يفوتك شيء من حلاوة بحث أريد أن أحبّره لك تحبيرًا، أريد منك أن تشترط عليَّ توثيق ما أحدثك به، فلا أكيل لك القول جزافًا آمنًا ألا تكشف زيفي؛ لأنك لا تعلم شيئًا من أمرِ تلك اللغات التي ذكرتُ لك، ليس هذا من العلم في شيء، وإنما هو من التّدليس».

وبالنظر في كتاب الدكتور ف. عبد الرحيم «الإعلام بأصول الأعلام الواردة في قصص الأنبياء عليهم السلام» ومقارنة ما ذهب إليه في اشتقاق الأعلام وما ذهب إليه الدكتور محمود رؤوف أبو سعدة، نجد النتائج متقاربة ولله الحمد، مع إن كتاب الدكتور رؤوف أبو سعدة لم يكن من مراجع الدكتور ف. عبد الرحيم، ولا العكس.

مثال: وقفة مع كلمة فرعون:

فقد ذكر المؤلف أن معنى فرعون في اللغة المصرية القديمة: «البيت الكبير» أو «البيت العظيم»، وأن المقصود بها الكنية عن شخص الملك.

ويقول الدكتور ف. عبد الرحيم عن العَلَمِ نفسه في كتابه (ص 139-140): «فرعون لقب ملوك مصر... أصله بالسريانية برعون، وهو برعوه بالعبرية، والكلمة من اللغة القبطية أصلها فيها بمعنى البيت العظيم، وكان يطلق أولًا على مجلس الملك، ثم على الملك نفسه. هذا وجاء في «التهذيب» -أي تهذيب اللغة للأزهري-: قيل الفرعون بلغة القبط التمساح. اهـ. قال عبد الرحيم: لم أجد ما يؤيد هذا القول». وهذا يؤيد ما ذهب إليه الأستاذ محمود رؤوف أبو سعدة.

وأما الدكتور العجيب علي فهمي خشيم الباحث الليبي، فقد ذهب مذهبًا فريدًا في اشتقاق كلمة فرعون وافق فيه ما ذهب إليه أبو سعدة، غير أنه قد زاد عليه تفاصيل في غاية الدقة والنفاسة؛ فعند مراجعة كتابه «بحثًا عن فرعون العربي» (ص32 وما بعدها) نجد أنه  يرى أن اسم فرعون اسم عربي الأصل لا مصري، وأن اللغة التي تفرعت عنها هذه اللغات يصح أن تسمى باللغة (العروبية) وهي أم اللغات، وأول من أطلق هذا المصطلح هو الأستاذ خليفة التونسي في مقالة له في مجلة العربي[2].

وبالجملة فكتاب الدكتور رؤوف أبو سعدة كتابٌ نفيسٌ حقًّا، اشتمل على علمٍ غزيرٍ محرّر، وقد تكلم في وجه من الإعجاز لم يُسبق إليه على هذا النحو، فهو حريٌّ بالمطالعة والاستفادة مما فيه من تحريرات.

 

[1] مقدمة الدكتور محمود الطناحي للكتاب، ص (8)، وقد نشرت المقالة أخيرًا بعد وفاة الدكتور الطناحي -رحمه الله- في كتاب «مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي» التي أصدرتها دار البشائر الإسلامية، (1/270-279).

[2] انظر حاشية رقم (6) من كتاب الدكتور علي فهمي خشيم «بحثًا عن فرعون العربي» ص(23).