الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

التعريف بكتاب «تاريخ القراءات في المشرق والمغرب»

التعريف بكتاب

«تاريخ القراءات في المشرق والمغرب»

للدكتور محمد المختار ولد أبّاه

بيانات الكتاب:

العنوان: تاريخ القراءات في المشرق والمغرب.

تأليف: الدكتور محمد المختار ولد أبّاه.

دار النشر: المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة - إيسيسكو.

سنة النشر: الطبعة الأولى (1422هـ).

عدد الأجزاء والصفحات (الوعاء): (767ص) من القطع العادي.

مؤلف الكتاب:

هو الدكتور محمد المختار ولد أبّاه، أستاذ بدار الحديث الحسنية - بالرباط - بدولة المغرب، وهو أحد أبرز الباحثين اللغويين المعاصرين في المغرب العربي، المتضلعين من علوم اللسان التراثية، الآخذين بحظّ وافر من المناهج اللسانية الحديثة، الجامعين في ثقافتهم إلى الأصالة الجِدَة، وإلى التراث المعاصرة، وذلك ظاهر في كتابه هذا الذي بين أيدينا.

ومن مصنفاته غير هذا الكتاب كتاب بعنوان «تاريخ النحو في المشرق والمغرب»، وهو أنفس كتاب تجده في تاريخ النحو بدون مبالغة. وله غيرها من الكتب والبحوث المنشورة.

موضوع الكتاب:

حظي علم القراءات بعناية كبيرة من العلماء المشتغلين بعلوم القرآن الكريم في مختلف عصور التاريخ الإسلامي، وعدّوه من أشرف العلوم، وأشدها ارتباطًا بكتاب الله. وقد كثر التصنيف في هذا العلم قديمًا وحديثًا، وقد احتفظت لنا المكتبة الإسلامية بتصانيف شتى في هذا العلم، معظمها لا يزال مخطوطًا، وما نشر منها لم تتوفر لبعضه على وجه الإجمال شروط الدقة والتثبت في التحقيق والدراسة والنشر العلمي، مع محدودية انتشاره في البلاد الإسلامية.

وأكثر الجهود انصبت في العقود الأخيرة على نشر المصنفات المخطوطة في علم القراءات، والتحقيق العلمي لها، لكن الكتابة في تاريخ علم القراءات ظلّ محدودًا للغاية، ومحصورًا في نطاق ضيّق، وظلّ هذا العلم في حاجة إلى كتابة تاريخ مفصّل لمراحله التي مرّ بها عبر التاريخ الإسلامي الطويل.

ويعدّ هذا الكتاب الذي معنا هنا من أفضل المصنفات على الإطلاق إن لم يكن أفضلها في التأريخ لعلم القراءات تأريخًا مفصلًا شاملًا لجميع أجزاء العالم الإسلامي، وخاصّة الجزء المغربي منه الذي ظلّ بعده التاريخي غائبًا عن الكثير من طلاب العلم قبل هذا الكتاب.

يعدّ هذا الكتاب من الكتب ذات المنهج الموسوعي في التأليف، ومؤلفه من طبقة العلماء الموريتانيين المتمكنين الذين يجمعون بين التبحر في العلوم الإسلامية والتعمق في فروعها، وبين التخصص العلمي الدقيق في أكثر من حقلٍ من حقول الثقافة العربية الإسلامية، مع مقدرة فائقة على التأليف وفق المنهج الأكاديمي الذي اكتسبه من طول احتكاكه بالثقافة الغربية، ومن سعة معرفته بالمناهج الأوربية في البحث والدرس والتأليف، وفي التعامل مع المصادر والمراجع، وفي الموازنة بين الآراء والمقارنة بين المدارس واستقصاء الاتجاهات التي تدخل في صلب موضوع البحث، وتتبّع مصادرها والوقوف على مظانّها.

لذلك جاء هذا الكتاب وافيًا وشاملًا وملبيًا لحاجة ماسّة، كان يستشعرها طلاب العلم المتخصصون في هذا الفرع من فروع العلم، خاصّة ما يتعلق بالجوانب التاريخية المرتبطة بانتقال القراءات من المشرق إلى المغرب، بالمفهوم الجغرافي الواسع الذي يشمل الغرب الإسلامي كلّه، والتعريف بالقرّاء في هذا الجزء من العالم الإسلامي في مراحل تاريخية متعاقبة، وبما تركوه من مصنفات ورسائل علمية أغنوا بها المكتبة القرآنية بزاد من المعرفة يشهد لهم بعلوّ كعبهم في هذا الحقل العلمي على وجه الخصوص.

لقد تتبع المؤلف المنحَى الذي سار فيه علم القراءات في المشرق والمغرب، واستقصى في تعمّق البحث في سلسلة الروايات، وأفاض في الترجمة لرجالاتها، على نحو قدم به هذه الطائفة الكريمة من مشاهير القراء تقديمًا نهج فيه نهجًا سديدًا، وأنار به الطريق أمام المهتمين بالقراءات بخاصّة، والمهتمين بالعلوم الإسلامية بعامّة.

ويشرح المؤلف في وضوحٍ منهجي الهدف من التقسيم بين المشرق والمغرب في تاريخه للقراءات، فيؤكد أنّ هذا التقسيم لا يمسّ جوهر موضوع القراءات؛ فلا توجد قراءة مشرقية وأخرى مغربية، فالقرآن الكريم نصّ واحد محكَم لا اختلاف فيه، وطرق أدائه المتعددة تعود كلها إلى الحروف المرخّص فيها كما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ثم يخلص المؤلف إلى القول بأنّ التقسيم الوارد في الكتاب إنما يعني أساسًا إبراز نشاط الأمصار المغربية في الأندلس (أسبانيا حاليًا) وبلاد المغرب العربي، والمشرقية في مصر والعراق والشام وغيرها في علم القراءات، من حيث ضبط الروايات وتصحيحها، وتعليلها، وكيفية أدائها نطقًا ورسمًا.

وفي هذا السياق يذهب المؤلف إلى القول بأنّ هذا النشاط متواصل، متماسك في تدوينه ونقله؛ لتوثّق العلاقات بين الأئمة، وحرصهم على ضبط الأسانيد والقيام بالرحلات العلمية، بحيث يكون الإمام القارئ ينتمي إلى عدة حواضر في الأقاليم الإسلامية. ويوضح المؤلف أن دواعي هذا التقسم إنما تستجيب للمنهج التاريخي الذي يرمي إلى الربط بين الظواهر المعنية وبين ملابساتها الزمنية وظروفها المكانيّة.

وعلى هذا النحو المتسق، والمنهج السديد، يمضي المؤلف في إيفاء موضوع تاريخ القراءات حقه وافرًا، في أناة وتثبّت -تعجبني في مؤلفاته بارك الله في علمه-، وفي أصالة وعمق، وفي استفاضة وسعة، بحيث يمكن القول إجمالًا:

إنّ هذا الكتاب جاء ليسدّ فراغًا كان يستشعره المشتغلون بتاريخ القراءات في الربط بين حلقات تاريخه في المشرق والمغرب، في نسق متكامل مترابط. وهذه ميزة من أهم مميزات هذا الكتاب.

وقد اعتمد المؤلف في كتابه على عدد من المصادر القديمة التي طبعت والتي لا يزال بعضها مخطوطًا، كما اعتمد على عدد من البحوث والدراسات الجامعية التي لم تطبع بعد وخاصّة في بلاد المغرب التي يحظى علم القراءات عندهم بعناية كبيرة، مع ندرة ما يصلنا في المشرق من هذه البحوث والدراسات، وهذه ميزة من مميزات هذا الكتاب على الكتب التي كتبت في موضوعه وأخلت بهذا الجانب التاريخي المهم.

أبواب الكتاب:

قسم المؤلف كتابه هذا إلى:

تمهيد:

تحدث فيه المؤلف باختصار وتركيز عن جمع القرآن، ونشأة مدارس القراءات كما سماها في الحجاز والشام والبصرة والكوفة، وتطوّر هذه المدارس، ومنهجه في الكتاب، ثم تحدث عن ضوابط علم القراءات؛ فتحدث عن التواتر، وعن رسم المصحف، وعن مخارج الحروف، وتطبيقات العلماء، وغير ذلك من المسائل ذات الصلة.

الباب الأول: عصر الأئمة والرواة:

تحدّث فيه عن القرّاء السبعة، واختيارهم وأصولهم ومفرداتهم. ثم تحدث في آخر الباب عن القرّاء السبعة الآخرين وهم الثلاثة المكملون للعشرة، والأربعة المكملون للأربعة عشر.

الباب الثاني: عصر التدوين:

تحدّث فيه عن ابن مجاهد وكِتاب السبعة، وكيف كانت القراءات في بغداد قبل ابن مجاهد. ثم تحدّث عن ابن مهران والقرّاء العشرة، وكيف كانت القراءات في خراسان قبل ابن مهران. ثم تحدّث في الفصل التالي عن ابن غلبون، وتحدّث عن مشاهير القرّاء في مصر بين ورش وابن غلبون صاحب كتاب «التذكرة».

الباب الثالث: مدرسة القيروان وتأثيرها في الأندلس.

الباب الرابع: المدرسة الأندلسية.

الباب الخامس: عصر التثبيت والتكميل (أدبيات الشاطبية: بين الأندلس والشرق).

الباب السادس: المدرسة المغربية.

الباب السابع: المدرسة الشنقيطية. وهذا الباب وما بعده مما انفرد به هذا الكتاب، ولم أجد تأريخًا للقراءت في شنقيط بمثل هذا التفصيل في غير هذا الكتاب.

الباب الثامن: آراء العلماء الشناقطة في التجويد.

الخاتمة.

أرجو أن يكون هذا العرض حافزًا للاستفادة من هذا السّفر النفيس، والذي أقترح أن يكون هذا الكتاب هو المرجع في دراسة القراءات في الدراسات العليا ولا سيما في مرحلتي الدكتوراه والماجستير؛ حيث إنه -فيما رأيتُ- أفضل كتاب في هذا الباب ومنهجه منهج أكاديمي يصلح للمدارسة في هذه المرحلة.

 أسأل الله أن ينفعنا جميعًا بالعلم، وأن يجزي مصنفه خيرًا. وصلى الله وسلم على عبده ونبيّه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.