الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

تأملات في شوارد الأبيات (5)

قال المرقش الأكبر(1):

تــَخــيــّرتُ مــِن نــَعــمــانَ عـُودَ أَراكةٍ
خــليليَّ عــُوجـــــا بـــــارك اللــه فـيـكما
وقـولا لَـها: لــيـسَ الضلالُ أَجـــارَنا
  لِهـــِنـــْدٍ، فـــَــمـــَن هــــذا يــُبــلِّغـُهُ هـِنـدا؟!
وإن لم تـَكُنْ هِندٌ لأَرضِكما قَصدا
ولكـــنـــَّنـــــا جـــــُرْنـــَا لِنـــَلقـــَاكــُمُ عــَمــْدا

راقني من هذه الأبيات البيت الثالث، وقبل أن أتوقف عنده أشير إلى أن نعمان الذي قصده الشاعر هو ما يسمى اليوم بعرفات، ويسمى أيضًا نعمان الأراك؛ وذلك لكثرة شجر الأراك فيه، ويؤكد هذا قوله: «تَخيرتُ مِنْ نعمانَ عُودَ أَراكةٍ»، وقد يستغربُ مستغربٌ، كيف يقول في الأبيات «تَخيّرتُ ... لِهندٍ» «ومَن هذا يُبلِّغهُ هِندا» وقد اشتهر بعشقه لابنة عمه أسماء؟! والجواب عن ذلك قد صاغه أبو العلاء المعري في رسالته البديعة؛ فقال: وبعض النّاس يروي هذا الشّعر لك: تخيّرت من نعمان عود أراكةٍ... ولم أجدها في ديوانك، فهل ما حُكي صحيحٌ عنك؟

فيجيبه المرقش: لقد قلتُ أشياء كثيرةً، منها ما نُقل إليكم ومنها ما لم يُنقل، وقد يجوز أن أكون قلتُ هذه الأبياتَ ولكني سَرِفْتُها - أي نسيتها - لِطولِ الأَبد، ولعلَّك تنكرُ أنّها في هندٍ، وأنَّ صاحبتي أسماء، فلا تنفر من ذلك؛ فقد ينتقل المُشبِّب من الاسم إلى الاسم، ويكون في بعض عُمره مُستهترًا بشخصٍ من النّاس، ثمّ ينصرف إلى شخصٍ آخر، ألا تسمع إلى قولي:

سفهٌ تذكُّره خويلة بعدما   لِحالت ذُرا نجران دون لقائها(2)

 فقد أحسن المعري الاعتذار للمرقش في مخاطبته هند وهو يعني أَسْماءَ.

وأما قوله:

وقولا لَها: ليسَ الضلالُ أَجارَنا   ولكنَّنا جُرْنَا لِنَلقَاكُمُ عَمْدا

ففيه لطائف منها:

1- كأنه في قوله هذا لصاحبيه يلقنهم الجواب لسؤال يتوقعه منها وهو: ما الذي جار بكما عن الطريق إلى أرضكما؟ فيكون الجوابُ أَنَّهما لم يضلا ولم يجورا عن الطريق خطأً منهما وقِلةَ بَصَرٍ بالطريق إلى أرضهم، ولكنهما قصدا قصدًا إلى هند ليبلغاها هذا (المسواك) من حبيبها عوف.

2- أَنَّ العِبْرةَ في الهديَّةِ هي القيمةُ المعنويةُ لها، وإلا فعودُ أراكةٍ لا يَعني من حيث القيمة المادية شيئًا يُذكر، ولكنَّ له من المعاني في النفس أَبعادٌ وأبعاد، ولا سيما حين يكون المُهدي حبيبًا إلى القلب، وإنْ كان المرقشُ لم يأخذ أولَ عُودٍ وَجَدَهُ، ولكنَّهُ تَخَيَّرَهُ واصطفاه؛ مِمَّا يوحي بِتَعبهِ في ذلكَ، وأَنَّهُ بَلَغَ غايةَ جهده في ذلك.

3- أن هذه الهدية من المرقش توحي بتلك الطبيعة الصافية الصادقة في نفوس القدماء وفي حبهم وهداياهم؛ فالتكلف مفقود في الحياة العربية في الجاهلية، وكل الصور مأخوذةٌ من البيئةِ، والهَديَّةُ من عود الأراك ولكن الحب صادق والمُهدِي وامق، ولو تأملت حالَ المُحبين في زماننا لهالك ما تراه من التكلف والتصنع والمبالغة في الهدايا مع ضيق ذات اليد في الغالب، ولا أعمم هذا، ولكن الثقافة السائدة هي هذه؛ لِمَا جَرَّتهُ وسائلُ الإعلام على الناس من البلاء في هذا الباب، وتصويرها حال العُشَّاقِ بهذا المنظر الرخيص الذي يجري وراء الحرام من اللقاء والكلام وغير ذلك؛ وأمر الحب الصادق، والشوق السامي فوق ذلك كله، ولا تستقر حياة الناس إلا بذلك الحب المتبادل بين المُحبين، وأنا عندما أقول العشاق والمُحبين فإنما أعني الأزواج ومن انعقدت بينهم أسباب الحلال، وأما غيرها فلا يخطر لي على بال.

 

(1) هو الشاعر الجاهلي عوف - وقيل عمرو- بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس من بني بكر بن وائل، ولقبه الذي اشتهر به المرقش الأكبر، عشق ابنةَ عَمِّهِ أَسْماءَ، وقال فيها شِعْرًا كثيرًا منهُ هذه الأبيات، وشعره من الطبقة الأولى، ضاع أكثره، ولد باليمن ونشأ بالعراق، واتصل مدة بالحارث بن أبي شَمِر الغساني واتخذه الحارث كاتبًا له.

(2) رسالة الغفران ص 348، ت. بنت الشاطئ، وهي أجود الطبعات.