الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

تأملات في شوارد الأبيات (6)

تأملات في شوارد الأبيات (6)

قال مُحاربُ بن دِثارٍ يرثي الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز:

كـــَمْ مـــِن شــريــعــةِ حــَقٍّ قــد أقــمـتَ لَهـُم
يا لَهْفَ نفسيْ، ولهفَ الواجدينَ مَعيْ
ثـــــلاثـــــةٌ مـــــا رأَتْ عــــَيــــنٌ لهــــم شــــَبــــهــــًا
فــــأَنــــتَ تـــتـــبـــعـــهـــمْ لمْ تـــَأَلُ مـــُجــتــِهــِدًا
لو كــــــنــــــتُ أَمــــــلكُ والأَقـــــدارُ غــــالبــــةٌ
صــــرفــتُ عــَن عــُمـرَ الخــيـراتِ مــَصــْرَعــَهُ

 

كـانـت أُمـِيـتَتْ وأُخرى منكَ تُنْتَظرُ
عـــلى النـــُّجــُومِ التــي تــَغــتـالُهـا الحـُفـَرُ
يـَضـمـُّ أَعـْظـُمـَهـُمْ فـي المـسـجدِ المَدَرُ
ســــُقــــيـــًا لهـــَا ســـُنـــنـــًا بـــالحــقِّ تــُقــْتــَفــَرُ
تــــأتـــي صـــَبـــاحـــًا وتــبــيــاتــًا وتــبــتــكــرُ
بــِدَيــْرِ ســــَمـعـانَ لكــنْ يــغـلبُ القــَدَرُ

هذه القطعة البديعة قالها الشاعر في رثاء الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز -عليه رحمة الله-، والشاهد عندي فيها هو البيت الثاني، وهو قوله:

يا لَهْفَ نفسيْ، ولهفَ الواجدينَ مَعيْ

 

على النُّجُومِ التي تَغتالُها الحُفَرُ

أولًا: الشاعر القائل هو محارب بن دثار الذهلي السدوسي الشيباني، من الطبقة الثالثة من التابعين من أهل الكوفة، كان قاضيًا شاعرًا، من أقواله: لما أُكْرِهْتُ على القضاء بكيت وبكى عيالي، فلما عُزِلْتُ عن القضاء بكيتُ وبكى عيالي.

وقد رأيتُ ياقوت الحموي ينسب البيتين الأولين للفرزدق، حيث قال : «وحدث أبو بكر بن عياش، قال الفرزدق بالكوفة ينعي عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- فقال: ...) ثم أورد البيتين. ونفسي تميل لنسبتها لمحارب لعدم وجودها في ديوان الفرزدق، واختلاف أسلوبها عن أسلوب الفرزدق، والله أعلم.

ثانيًا: هل سمعتم شاعرًا سبقه إلى هذا المعنى، وهو اغتيال الحفر والقبور للنجوم؟ قد سمعتُ من الشعراء مَن شبَّه الميتَ بالجبل العظيم، وبالنجم الذي غار في القبر، وسمعتُ مَنْ تَعجَّبَ كيف اتسع القبرُ على ضِيقه للميت على جلالته وفضله وجوده. لكني لم أقرأ لمن فَطِنَ للمعنى الذي ذكره مُحاربُ بن دثار، وهو اتهام القبور باغتيال النجوم! يا له من معنى مطربٍ لشاعر قاضٍ.

ثالثًا: أن الشاعر ليس الوحيد الذي يشعر بهذا الشعور في فقد الخليفة عمر بن عبد العزيز، ولكن معه نفر كثير يَجِدُون مِن أَلَمِ فَقدِ الخليفة الصالح ما يَجدهُ، «ولهف الواجدين معي».

رابعًا: تأملوا تسميته للقبور بالحفر، وكأني بالشاعر يرمي من وراء تسميته للقبور بالحفر التهوين من شأنها وأنها رغم ذلك استطاعت احتواء هذه النجوم، ثم تأملوا وصفه لدفن الميت في القبر بالاغتيال؛ فكأن هذه القبور قد اغتالت هؤلاء الموتى، والاغتيال له معانٍ تنثال على الذهن بمجرد سماع كلمة الاغتيال.

خامسًا: من يقرأ في دواوين الشعراء يجد المديح غالبًا عليها، وفي غالبه مديح مبالغ فيه في حقّ من لا يستحق، ولكن في هذه المرثية التي قالها محارب في حقّ الخليفة عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- تجد الصدق في كلّ عبارة منها، وأنها قيلت فيمن يستحقها تمامًا، رحمه الله وغفر له، وجمعنا به في جنات النعيم، وقد أجاد محارب عندما أشار إلى قبر قدوات عمر بن عبد العزيز الذين سار على هديهم، وهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر بقوله:

ثلاثةٌ ما رأَتْ عَينٌ لهم شَبهًا

 

يَضمُّ أَعْظُمَهُمْ في المسجدِ المَدَرُ