الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

تأملات في شوارد الأبيات (7)

تأملات في شوارد الأبيات (7)

قال العباس بن الأحنف:

مَنْ كانَ يَزعمُ أَنْ سَيكتُمُ حُبَّهُ
الحــــبُّ أغــــلبُ للفــــؤادِ بـــقـــَهـــرهِ
وإذا بــــدا ســــرُّ اللبــــيــــبِ فــــإِنـــَّهُ
إِنـــِّي لأُبـــغــضُ عـاشـقـًا مـُتـسـتـرًا

 

حـتى يشككَ فيهِ فهو كذُوبُ
مِن أَن يُرى للسترِ فيه نصيبُ
لم يـــــَبـــــدُ إلا والفــــتـى مــــغــــلوبُ
لم تـــــــتـــــهــــمــــهُ أعــــــيــــنٌ وقــــُلوبُ

هذه الأبيات الطريفة لشاعر القلوب المتيّمة العباس بن الأحنف، وهذا الشاعر حسن الوصف لمشاعر القلوب، وكأني به قد ذاقها ثم وصفها فوقع في وصفها على دقائق لم تتهيأ لغيره. وهذه الأبيات قد نُسبت لأبي العتاهية أيضًا، غير أنه ليس فيها روح أبي العتاهية الزاهدة، وهي أليق بالعباس منها بأبي العتاهية، والله أعلم .

والشاعر في هذه الأبيات يصف حالة الحب إذا طغت على صاحبها حتى يقرأها الناظر في نظراته وعبراته، وأَنَّ مُبالغةَ العاشق في التستّر والتهرب ليست من صدق المحبة في شيء، بل عدّها العباس بن الأحنف من قلة الوفاء وبرودة الطبع حتى إنه يبغض هذا النوع من العاشقين «إِنِّي لأُبغضُ عاشقًا مُتسترًا»، ولم يكتفِ بهذا التستّر بالهوى حتى اشترط له أن يكون ذائعًا تتهمه الأعين والقلوبُ بهذا الحبّ لما ترى عليه من علاماتها. وهذه العلامات تظهر عند ذكر المحبوب أو رؤيته أو غير ذلك على حد قول سلم الخاسر:

ولي عندَ رُؤيتهِ رَوعةٌ

 

تُحقِّقُ ما ظَنَّهُ المُتَّهِمْ

وهذا المعنى الذي أشار إليه العباس بن الأحنف تجده كثيرًا في شعر أهل النسيب، ولعلكم تذكرون ما قول جمال الدين بن مطروح:

مَنْ كان مِنكم واثقاً بِفُـؤادهِ

 

فهناكَ ما أَنا واثقٌ بِفُـؤادي!

فهو اعترافٌ بالضعف عن ملاقاة الأعين النجل وأنه لا قِبَلَ له بالصبر على غرامها ووجدها.

وهذه المعاني العفيفة الصادقة في مشاعر الحبّ جدير بالأزواج أن يتذاكروها فيما بينهم، وأدبُنا العربي مليءٌ بها. وأذكر حديث أم زرع فلا أجده يبتعد كثيرًا عن مثل هذه المعاني البديعة، وكيف كانت عائشة تسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن مدى حبه لها وبقائه على حاله.

أيها الأدباء! لقد أساء الإعلامُ إلى كلمة (الحب) أيما إساءة وشوهها أيما تشويهٍ، فهل من عودةٍ لصفاء تلك الكلمة مع أمثال هذه المقطعات الأدبية؟!