الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

تأملات في شوارد الأبيات (8)

تأملات في شوارد الأبيات (8)

قال مسلم بن بلال العبدي:

لو كـانَ يُوجَدُ عَرْفُ مَجْدٍ قَبْلَهُمْ
إِنْ جــئــتــَهــُم أَبـصـرتَ بينَ بُيوتِهمْ
نــــُورُ النـــُّبــــــوةِ والـــمـــكـــارمِ فــــــيـــهـــمُ

 

لَوَجــَدْتــَهـُ مـِنـهـُم عـلى أَمـيـالِ
كـَرَمـًا يَقيكَ مَواقفَ التسآلِ
مــُتوقِّدٌ في الشِّيبِ والأَطْفالِ

هذه الأبيات الثلاثة تمثل بها الشاعر مسلم بن بلال العبدي في مديح بني هاشم رهط النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي أبيات رائعة في المديح.

ولن أختار منها بيتًا مفردًا شاردًا ففيها كلها معانٍ بديعة، وتأملوا معي هذه المعاني:

1- في البيت الأول، يقول الشاعر: إنه لو كان للمجد عَرْفٌ ورائحةٌ زكيةٌ يشمها الناسُ لكنتَ تجدُ رائحة مجدهم الزكية تشم على بعد أميالٍ، وهذا معنى بديع، وكأنَّه يشير فيه الشاعر إلى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأحاديث التي يذكر فيها رائحة الجنة وعَرْفِها وطِيبِها وأنه يوجدُ من مسيرة أربعين خريفًا. وأخذُ الشعراء من معاني القرآن والسنَّةِ كثير، لو تفطن لها أديبٌ لمَّاحٌ لعثر على كثيرٍ من ذلك بطرق ظاهرةٍ وخفيةٍ بعيدةٍ أحيانًا لا يكاد يفطن لها إلا القليل.

وتأملوا مدح هؤلاء القوم بكرمهم وسؤددهم ومجدهم المؤثل بهذه الصورة الجميلة التي استعار لها الرائحة الزكية النفَّاذة، التي تجدها على بعد أميال فتستدلُّ بها على أمجادهم.

لو كانَ يُوجَدُ عَرْفُ مَجْدٍ قَبْلَهُمْ

 

لَوَجَدْتَهُ مِنهُم على أَميالِ

وتأملوا قوله : «لو كان يُوجَدُ..» فقد بلغ بمديحهم مبلغًا عظيمًا بقوله ذاك، فأدركَ بلفظهِ القَريبِ غاية المُرادِ البَعيدِ كما يقول البحتري. وهذا من سعة لغتنا العربية وحسن بيانها عن المعاني.

ويشبهه قول زهير بن أبي سلمى يمدح بني عبد الله بن غطفان:

لو كان يَقْعدُ فوقَ الشمسِ مِنْ كَرمٍ

 

قومٌ بأولهم، أو مجدِهِم قَعَدُوا

فقد بلغ بمدحهم ما شاء أن يبلغ، وإن لم يكن هذا واقعًا ممكنًا.

ومثله قول الآخر:

لو كان يَقْعُدُ فوقَ الشَّمسِ مِنْ كَـرمٍ

 

قومٌ لقيلَ اقعُـدوا يا آَلَ عبَّـاسِ

وهكذا تجد هذا الأسلوب شائعًا في لغة المديح عند الشعراء لما له من المعاني البعيدة في حسن المديح.

2- قوله في البيت الثاني:

إِنْ جئتَهُم أَبصرتَ بينَ بُيوتِهمْ

 

كَرَمًا يَقيكَ مَواقفَ التسآلِ

فالشاعر يمدحهم بأن السائل الذي يأتيهم لا يتكلف مرارة موقف السؤال بين أيديهم، وإنما يُكْفَى هم السؤال بقضاء حاجته بين البيوت قبل بلوغها؛ فهو يجد من خدمهم ومواليهم من العطاء والكرم ما يقيه موقف السؤال وذلته. وقد جعل الكرم مجسدًا حتى أنك تبصره وتراه بين بيوتهم، فكيف بالبيوت نفسها التي يسكنها هؤلاء الكرام؟!

ومعنى كفاية مرارة موقف السؤال معنى بديع تناوله بعض الشعراء في شعرهم، ويحضرني منهم قول الشاعر أمية بن أبي الصلت يمدح ابن جدعان:

أأذكر حاجتي أم قد كفاني
إذا أثــنــى عـليـكـَ المـرءُ يـومـًا

 

حياؤكَ إِنَّ شيمتَك الحياءُ
كــفــاهــُ مـِنـْ تـعـرُّضـِهـِ الثـنـاءُ

وقول المتنبي:

وفي النفس حاجات وفيك فطانةٌ

 

سكوتي بيانٌ عندها وخطابُ

وهذا من فطنة أهل الكرم ونبلهم، ومن أَنَفَةِ أهل الحاجات وكرم نفوسهم.

3- أما البيت الثالث:

نُورُ النُّبوةِ والمكارمِ فيهمُ

 

مُتوقِّدٌ في الشِّيبِ والأَطْفالِ

فهو مديح رائع بأن هذه الصفات من المجد والكرم ليس حكرًا على أفراد منهم، أو الكبار منهم فقط أو الموسرين منهم فقط؛ وإنما هو صفة مشتركة بين الصغير والكبير فيهم، وقد أحسن الشاعرُ أيما إحسان عندما ربط هذه المعاني الرائعة من الكرم والمجد والسؤدد بنور النبوة في سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام؛ فإن بني هاشم على فضلهم وعلوّ نسبهم ما كان لهم أن يبلغوا هذه المكانة في نفوسنا إلا لشرف النبوة الذي خص الله به نبينا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم عليه الصلاة والسلام. وهذا واللهِ الشرف الحقيقي والمجد المؤثل، وحقّ لآل بيت نبينا محمد بن عبد الله الحبّ والتقدير والموالاة في الله ولله ولقرابتهم من المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهذا حقّ فرَّطنا فيه كثيرًا في زماننا هذا عفا الله عنا، حتى ذهب بدعوى محبة آل البيت هؤلاء الرافضة الكاذبون ونحن أهل الإسلام أولى بآل البيت منهم، والله الموعد .