الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

خزانة الأدب: تأملات خاصة في ظلال أدب العربية (2)

خزانة الأدب: تأملات خاصة في ظلال أدب العربية (2)

قصة الأبيات:

دعاني أخي الأستاذ عبد العزيز القرشي للمشاركة معه في حلقة من برنامجه «ربيع القوافي» على قناة «دليل» قبل مدة، وأخبرني بمنهج البرنامج ولم أكن شاهدته قبلها، وذكر لي من ضمن فقرات البرنامج فقرة عن «مصارع الشعراء» يتبارى الشعراء فيها للفوز بحمل الراية، ولستُ أدري ما هي تلك الراية، وطلب مني أن أدخل المنتدى الخاصّ بالبرنامج للاطلاع على الشعراء وهم يتبارون في معارضة القصيدة المختارة للفوز بالراية.

وبعد أيام دخلتُ المنتدى الذي أشار إليه، فوجدتُ القصيدة التي يتبارون في معارضتها دون ما كنتُ أؤمِّل من الجزالة والبناء، ورأيتُ الشاعر قد بالغ في امتداح قصيدته، وكان ملتقى أهل التفسير حينها قيد الترقية والتطوير فلم أكن مشغولًا به؛ فدعتني نفسي -الأمارة بالسوء- إلى دخول معترك القوافي ذاك، ومعارضة القصيدة المطروحة رغبةً في اختبار القريحةِ التي أخْملها الاشتغالُ بغيرِ الشِّعْرِ زمنًا طويلًا.

فلما أردتُ التسجيل في المنتدى تأملتُ في الاسم المناسب للمشاركة، فتبادر إلى ذهني اسمٌ كنتُ جعلته اسمًا لي في هاتفي المَحمول يراه من يرغب في مراسلتي بواسطة البلوتوث وهو «المغامر»، فسجلتُ بهذا الاسم هناك، وكتبتُ قصيدةً أعارضُ بها قصيدة الشاعر الذي سَمَّى نفسَه «صهيل القوافي»، والتي يقول في مطلعها:

ثــــارتْ بــــَراكــــيــنُ المــِدادِ مـَهــيـلا
ألقــتْ قــذائـفـهـا عـليـهمْ جــُمـْلةً
كـــذبـوا بــِزعــْمــِهـمُ هــُراءً أنـنـي

 

حـــِمـَمـًا شـفــَتْ مِنْ شانئِـيَّ غـَلِيلا
وغـــــــَدتْ أتـــــُونـــــًا للعـــــَدُوِّ غـــــَســـُولا
أدبــَرْتُ مِنْ ساح الوَغـَى مَـخــْذولا

وكنتُ أثناء ذلك الأسبوع مسافرًا، فكتبت القصيدة في الطائرة، ومن عادتي إذا ركبتُ في الطائرة وليس بجانبي أحد فإنني أشتغل بالكتابة، وإن كان بجانبي أحد أشتغل بالقراءة. فما هبطت الطائرة مطار الرياض إلا وقد فرغتُ من كتابة القصيدة، ولم أتنبه لعدد أبياتها، ولا لشروط المسابقة التي طرحت في البرنامج، وسارعتُ أول وصولي للمنزل بنشر القصيدة في المكان المخصص لذلك؛ بل إنني وضعتها فيما أذكر في قسم آخر، ولكن المشرف نقلها للمكان الصحيح، ولم أعلم أنني وضعتها في المنتدى قبل إغلاق المسابقة بساعتين تقريبًا!

فلمَّا كان يوم الجمعة في الصباح دخلتُ على المنتدى بعد أن فتحوا باب التصويت للجمهور على الإنترنت لترشيح القصيدة الفائزة من بين القصائد، وجدتُ قصيدة صاحبي «المغامر» قد سبقت بقية القصائد في التصويت، وإذا بالأمور تسير بشكل جيد.

وكان قد أخبرني المقدم للبرنامج أن الضيف سيقوم بالتحكيم بين القصائد الفائزة، وله من الدرجات 40 درجة من 100، وللجمهور عبر الإنترنت 30 درجة، وللجمهور عبر رسائل SMS من الدرجات 30 درجة أيضًا. فقلتُ في نفسي: ماذا لو فازت قصيدتي؟! كيف سأحكمُ بين الشعراء؟! وبينا أنا أسرح بفكري في الأمر، وأتأمل في القصائد المشاركة، أعجبتني قصيدتي! ولم تعجبني بقية القصائد المشاركة لأسباب فنية رأيتها، إذا بهاتف من مقدم البرنامج الأخ عبد العزيز القرشي.

عبد العزيز القرشي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عبد الرحمن الشهري: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

عبد العزيز القرشي: يبدو أن حلقة هذه الليلة ستكون ساخنة جدًّا يا أبا عبد الله.

عبد الرحمن الشهري: لماذا يا ترى؟

عبد العزيز القرشي: هناك منافسة حادة بين الشعراء، ودخل معنا شاعر متأخر اسمه «المغامر» لكنَّه سبّب لنا أزمة في المنتدى وللجنة التحكيم.

عبد الرحمن الشهري: ولماذا سبب لكم أزمة؟

عبد العزيز القرشي: لأننا اشترطنا في القصيدة ألا تزيد أبياتها عن خمسة عشر بيتًا، والمغامر كتب قصيدة في عشرين بيتًا، ولكن لجنة التحكيم لجمال القصيدة لم تنتبه لذلك، وأدخلتها ضمن القصائد الأربع المختارة الفائزة.

عبد الرحمن الشهري: وماذا ستفعلون إذن؟ قلتُ هذا وأنا متوجس في نفسي، ماذا سيصنعون بالمغامر الآن!

عبد العزيز القرشي: نحن في لجنة التحكيم أحببنا استشارتك الآن، ونحن نقترح أن نعتذر للمغامر، ونستبعد قصيدته من المسابقة لمخالفتها لشرط المسابقة، وتقديرًا لشاعرية المغامر ولجمهوره نعرض قصيدته في البرنامج ونقرأها أمام المشاهدين! فما رأيك؟

فخشيتُ إن أنا تحمستُ لإبقاء القصيدة أن يشك في أنني أعرف هذا الشاعر المغامر؛ فقلتُ: رأيكم فيه البركة والخير إن شاء الله، وما دام خالف الشرط فاستبعاده من العدل، ولكن ألا ترى أخي الكريم أن الوقوف عند مثل هذا الأمر يضعف المسابقة فزيادة عدد قليل من الأبيات أو نقصها لا يؤثر في الأمر، والعبرة بجودة القصيدة.

فقال: صدقت، ولكن الشعراء الآخرين اعترضوا وحملوا حملة شعواء علينا في المنتدى، فدعنا نكن حازمين في قرارنا ويقضي الله ما يشاء.

فلمَّا وضعتُ سَمَّاعة الهاتف ضحكتُ بصوتٍ سمعته زوجتي وكانت قريبة مني، فقالت: ماذا أصابك؟! ومن هذا الذي كان معك على الهاتف؟

فقلتُ: هذا موقفٌ طريفٌ كنتُ أريد أن ترينه في الحلقة الليلة في برنامج (ربيع القوافي) على قناة (دليل)، ولكن للأسف تَمَّ إيقافي من البرنامج، ورفضوا مشاركتي! وحدثتها بالخبر من أوله، فضحكت وقالت: يكفيك أنه وقع اختيار لجنة التحكيم على قصيدتك وهم لا يعلمون من أنت، وهذا دليل على أنَّ ما تقوله من الشعر قد يستحسنه بعض الأدباء والنُّقاد، فشجعتني بذلك جزاها الله خيرًا كعادتها معي في كلّ أعمالي.

وأخذتُ بعد المكالمة أتأمل مرة أخرى في القصائد التي اختيرت وهي ثلاث قصائد، وأتأمل في معانيها وأراجع كتب اللغة لتوثيق النقد والملحوظات عليها.

وذهبتُ في المساء إلى القناة للمشاركة في الحلقة، فوجدتُ المذيع أخي عبد العزيز يحمل في يديه القصائد، وإذا به يحدثني بالمنافسة المَحمومة في هذه الحلقة، وأنها ستكون أسخن الحلقات، وأخذ يقرأ قصيدة المغامر بحماس ويبدي إعجابه بها، وأنا أعجب من إعجابه، وأبادله الحماس بمثله.

فقال: لعلك تختار قصيدتين من الأربع تقرؤها أنت للمشاهدين، وأنا قصيدتين.

فقلتُ: سأقرأ قصيدة المغامر وقصيدة أخرى.

فقال: إلا قصيدة المغامر، فلن يقرؤها إلا أنا!

فقلتُ: قد تكون قراءتي لها أجمل، وتفاعلي مع الشاعر أكثر!

فأبى وأصرَّ على أن لا يقرأ القصيدة إلا هو مع القصيدة الأصلية في الحلقة فيما أذكر، وقرأها قراءة جيدة، وتفاعل معها تفاعلًا أعجبني وأطربني، وأخذ يعتذرُ للشاعرِ المغامرِ وينظر إلى الشاشة.

فقلتُ له أثناء الفاصل: لماذا تنظر للشاشة وأنت تعتذر له، لماذا لا تنظر إليَّ وأنا ضيفك في الحلقة؟!

فقال: حتى يشعر وهو يشاهدني في الشاشة أنني أقصده بالكلام. ولم يفهم قصدي، ولم أشأ أن أزيد على ذلك.

وعندما خرجنا بعد الحلقة للعشاء أنا والأخ عبد العزيز القرشي وكان بصحبتنا الدكتور مساعد الطيار -وفقه الله- أخبرتُ الأخ عبد العزيز بأنَّ المغامر ما هو إلا ضيفه عبد الرحمن الشهري فضحك وأخذ يسترجع أبيات القصيدة، وعندما شاهدتُ الحلقة فيما بعدُ ظهر لي ميلي أثناء قراءته للقصيدة وتفاعلي الزائد مع المغامر، وكأَنَّه مِن قرابتي، وقد أخبرني بعض من شاهد الحلقة أنه ظهر عليَّ أنني كنت أرغب في أن يفوز المغامر، فأُظهرُ استغرابي وأَسكتُ!

فكانت منافسة أدبية طريفة جميلة، حركت في نفسي مشاعر كدتُ أنساها مع اشتغالي بأمور بعيدة عن الشعر وأجوائه المُحلِّقة.

أجواء الكتابة:

إنّ أبيات هذه القصيدة لم تبتعد عن مشاعر كاتبها يوم كتب القصيدة، ولو حدثتكم بقصة كتابتها لعجبتم؛ فقد كنتُ أخذت ورقة أثناء سفري وكتبت فيها ما يقارب الخمسة عشر بيتًا متفرقة على نفس الوزن والقافية، ولما دخلنا المطار طلبوا إخراج ما نحمله من الأدوات والأجهزة للتفتيش قبل دخول صالة المغادرة، فأخرجت ما في جيبي من الأوراق والهاتف المحمول والمفاتيح ووضعتها في الجهاز، ومع الزحام والاستعجال ومقابلة أحد الأصدقاء في الصالة نسيت تلك الورقة ولم آخذها، ولما ركبت الطائرة تذكرتها فبحثت عنها في جيبي فلم أجدها فحزنت حزنًا شديدًا، ونظرتُ من نافذة الطائرة وأنا حزين على فقدان الورقة التي كتبت فيها الأبيات التي لم أحفظ منها شيئًا بعدُ.

ولما هدأتُ قليلًا أخذت ورقةً بيضاء من دفتر أحمله معي، وبدأت في كتابة القصيدة الأخرى المختلفة عن الأولى تَمامًا إلا في البحر والقافية، وكان فقدان القصيدة الأولى خيرًا لي، فقد جاءت الثانية أعذب منها، وأشد انسيابًا من الأولى.

وفي هذا عبرة أنه ينبغي التسليم دومًا للقضاء والقدر والرضا به والاطمئنان إليه، ففيه الخيرة للإنسان، وقد أسفتُ في حياتي على أمور كثيرة مُماثلة لهذا الموقف أو أشد منه ثم كانت العاقبة خيرًا.

وقد أودعتُ القصيدة شيئًا من مشاعر الحزن والهم الذي يرافقني، ويدفعني للاستعجال في مواقف كثيرة، رغبة في اللحاق بأمرٍ جديد، وكأنني كما قال المتنبي:

أَهُمُّ بأمرٍ والليالي كأَنَّها

 

تُطاردُني عَنْ كَونِهِ وأُطارِدُ

قصيدة «المغامر»:

وهذا نصُّ القصيدة التي كتبتها:

وقــــــفَ المـــــُحـــــبُّ عــــلى الطــــلولِ طــــويــــلا
يـــــا وقـــــفـــــةَ الحـــــُبِّ التـــــي مـــــا أَنـــــْصـــــَفــــَتْ
وا رحـــــمـــــتـــــا للعــــــــــاشــــقـــيـــنَ وشــــــَوقــــــــِهـــِمْ!
تــــَخــــِذوا الوُقـــــــــوفَ عـــــــلى الطــــُّلولِ تـــحــيــَّةً
واســــــتــــَعــــْذَبــــُوا غــــــــــُصـــَصَ الفـــِراقِ وأنــفــقــوا
مــــا راعـــــــنــــــــِي إِلا المـــــــــــــشـــــــيــــــبُ وقـــــــــــــولُــــهُ
يـا أَطــــيــــبَ الأصـــحـــابِ طـــابَ رَبـــيـــعـــُكـــُم
ورأَيـــــــــْتُ للشـــــــــــِّعــــــــراءِ حـــــــــــــَولي مــــــــَرْبــــــــــــــِدًا
لــــلـــــــــــهِ دَرُّهــــــــــــــم ودَرُّ (قــــــــــــــــــــَنــــــــاتــــــــِهـــــــِمْ)1
وتــــــَســــــــابــــَقــــوا فـــــــي المــــَكــــرُمـــــــاتِ وأَرســـــلُوا
يــــــــــَدْعــــــــــــــُونَ لــلآدابِ كــــــــــــــــُلَّ مــــــــــُهــــــــذَّبٍ
الجــــــاعــــــــــليــــــنَ الشـــــــــِّعـــــــــرَ أَعـــــــــْذَبَ مـــــــــــــَورِدٍ
والحـــــــــامــــــــــــلـــــيــــــــنَ مــــــــــِن الــــــــــتــــــــفــــــــردِ رايــــــــــةً
إِنـــــــــــِّي أَقـــــــــــــولُ ولِلمــــــــــــَصــــــــــــــــارعِ خـــــــــِفــــــــــَّةٌ
لا تـــــأمــــــــنـــــوا شـــــيـــــــــطـــــــانَ شـــــِعـــــــــري إِنـــــــــَّهُ
خـــــــــَبـــــَرَ الرِّهــــــــانَ فـــــمـــــــا يــــُغــــادرُ ســــــــاحــــةً
رَحــــــــــْبُ الخـــــُطـــــى فــــــــــإِذا خـــــَطــــا نــــــــُظــــراؤُه
وإذا تـــــــــــــــرنـــــــَّمَ بــــــالقــــــَصـــــــــــــيـــــــــدِ فــــــــــــإِنــــــَّمــــــا
وإذا تـــــــــــَصـــــَدَّى لــــلقــــــــوافــــــــــــــي خــــــــــِلتـــــــــَهــــــا
طــُــوِيَ البـِــــسـاطـُ عـــــن (الصـَّـــهــــيلِ)3 وشِعرهِ

 

والقــــلــبُ أَصـــــــدقُ مـــــا تـــَراهُ عــَليـلا
تــــَرَكــــَتْ عـــَزيـــزَ العـــاشـــقــيــن ذليــلا
مــاذا عـسـى شـِعري أَتى لِيقولا؟!
ورأَوا جــــِبــــالَ العــــاذِليــــنَ ســـُهـــُولا
زَهـــــْرَ الحـــــيـــــاةِ تـــــغــــرُّبــــًا ورحــــيـــلا
قــــَرُبَ الرَّحــــيــلُ فــأقــصــرِ التــأمــيــلا
ولَقــِيــتُ ظــِلَّ الشــِّعــرِ فــيــهِ ظــَلِيـلا
تـــــَخـــــِذوا دَليـــــلَ مـــــنـــــارةً ودَليـــــلا
أَلِفــُوا الجــمــيــلَ وأَشـعـَلُوا القـِنـدِيـلا
للبـــاحـــثـــيـــنَ عـــَن الجــَمـالِ رَسـُولا
جــِيــلًا يــُســابـقُ فـي المـكارمِ جِيلًا
واللابـــســـيـــنَ مــِن الهــُدى إِكــليـلا
لا تـــَقـــبـــلُ التـــنــكــيــسَ والتـَّحـويـلا
تــَدَعُ الحــليــمَ مـِن الرِّجـــــالِ جَهُولا
(لا يـعــرفُ التحريمَ والتــحلــيلا)2
إِلا ويـــــــتــــــــــركُ قــــــــــِرْنـــــــَه مـــــــَغــــــلولا
شـــِبـــْرًا تــقــدَّم فــي المــصــارعِ مـِيـْلا
يــــَبــــنــــي بــــهـــنَّ مــَشــاعــِرًا وعــُقــُولا
ثـــــَمـــــَرَ الجـــــِنـــــانِ مــــُذلَّلًا تــــَذليـــلا
لَمــــَّا أَتـــيـــتُ فــأَوقــفــوا التــَّسـجـيلا

 

___________________

1 أقصد قناة دليل الفضائية.

2 هذا عجز بيت للمتنبي من قصيدته في مدح بدر بن عمار بن إسماعيل لما صاول الأسد وغلبه بسوطه، وهي من جيد شعره، وتمام البيت:

في وحدة الرهبان إلا أنه      لا يعرف التحريم والتحليلا

3 أقصد الأخ صهيل القوافي.