الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

خزانة الأدب: تأملات خاصة في ظلال أدب العربية (3) شوقٌ وحنينٌ

خزانة الأدب: تأملات خاصة في ظلال أدب العربية (3)

شوقٌ وحنينٌ

ذكريات:

كنتُ طفلًا صغيرًا أقضي يومي كلّه في مطاردة الطيور لصيدها، ولا يكاد يراني أهلي إلا إذا غربت الشمس وأوت الطيور إلى أوكارها، وربما استبدّ بي اللهو فأنازع الطيور في أوكارها بعد هدوئها وسكينتها، فلله ذلك الزمن البريء الذي كانت فيه الهموم لا تجاوز تلك المساحة الصغيرة حول منزلنا، وكنتُ أظنّ ما وراء تلك المساحة الصغيرة مهلكة لا يعيش فيها أحد، وكنا نعيش في أرضٍ جبلية يفصلنا عن القبائل الأخرى جبال مرتفعة، ولكلّ جبل منها اسمٌ نعرفه كما نعرف أحدنا، فهذا «جَبَلُ شَعيرٍ» وذاك «الرَّادِف» نتداولها كما نتداول أسماء الناس، ونعرف تلك الطرق والأودية بأسمائها ومنحنياتها وبطحائها وحجارتها؛ بل حتى الغنم نسميها بأسماء أعلام نعرفها بها ونناديها بها، وكان فينا من صفاء الذهن وسرعة البديهة ما أفتقده اليوم في أبنائي وبناتي، وقد كنا ونحن صغار في الابتدائية نحفظ الأشعار ونلقيها في المناسبات دون تلكّؤ، ولا زلتُ حتى اليوم أحفظ أشعارًا درسناها في الثالثة الابتدائية لم أعد أجد لها اليوم أثرًا في كتب الأطفال، وإن أنسَ لا أنسى تلك الأنشودة التي كانت مقررة علينا في الصف الثالث في مقرر اسمه «المحفوظات والأناشيد»:

قـد كـان عـندي بلبلٌ
أســكــنــتـه فـي حـجـرة
وهــــو يـــغـــنـــي دائـــمـــًا
ولـــم أكـــــــنْ أمــــــنــــــعــــــه
فـــــفــــرَّ مــــنــــّي هــــاربــــًا
وقـــــال لي: حــــريــــتـــي

 

حـــــلو طـــــويــــل الذنــــبِ
فـي قـفصٍ من خشبِ
بـــــصـــــوتـــــه المـــــحـــــــــبــــبِ
مـنْ مـأكلٍ أو مشــــــربِ
من دون أدنــى سـبــبِ
لا تــــُشـتــــرى بــالذهـبِ

وأنشودة:

أمـــي إليـــك تـــحـــيــتــي
كـم تـتـعـبـيـن لأسـتريحَ

 

وعـليك من قلبي سلام
وتـــســـهـــريــن لكــي أنــام

معانٍ راقية عميقة، وكلمات سهلة، وأوزان خفيفة.

ولم تزل الأيام تجري بي في تلك الطبيعة الجبلية الخضراء، التي لا تكاد السماء تخطئنا يومًا من المطر، حتى إنه لم يكن يخرج الواحد منا لزرعه أو لرعي غنمه إلا ومعه (الدِّشَّة) وهي غطاء مستدير يغطى به الرأس مصنوع من الخصف، يمنع من يضعه على رأسه من المطر والبَرَد إذا سقط بغزارة، كما يمنعه من حرّ الشمس، وقليل من الناس من يستخدم المظلة أو الشمسيّة لأنها تمنعه من العمل، ويستخدمها غالبًا كبير السنّ، أو إذا ذهب للدوائر الرسمية فإنه يستخدم الشمسية ولا يستخدم الدِّشَّة. وكلمة الدِّشَّة من الكلمات العامية المحلية في النماص، ولستُ أدري ماذا يسميها غيرنا. وكنا نادرًا ما نصلي صلاة الاستسقاء لعدم انقطاع الأمطار، بل إننا كنا نتضايق إذا نزل المطر لأنه يقطعنا عن لهونا ولعب الكرة في كثيرٍ من الأحيان؛ بل إنني بعد أن كبرت وأصبحنا نلعب مباريات على مستوى القرى في النماص نتضايق إذا هطل المطر في المباريات التي كنا نعتبرها حينها أهم من مباريات نهائيات كأس العالم اليوم، فنضطر لتأجيل تلك المباريات لوقت آخر وهكذا، وقل مثل ذلك في الحفلات الختامية للمدارس، حيث كنا نستعد قبلها بثلاثة أشهر للحفل الرياضي على مستوى المنطقة، وبالمسرحيات وغيرها، ثم إذا اجتمع الناس من كلّ حدب وصوب انفتحت السماء علينا ونحن في الميدان في ملابس الرياضة، فنصبر ونثبت في أماكننا ولكن الجمهور يلوذ بالبيوت والظلال، ثم مع استمرار المطر نتفرق نحن أيضًا حيث لم يعد ينفع الثبات في ذلك الموقف، وكم لتلك الذكريات من شجون وتباريح!

ثم انقضت تلك السنون وأهلها

 

فكأنها وكأنهم أحلامُ

وبعد أن فارقت النماص للدراسة في أبها شعرتُ بغربة شديدة حينها، فكتبتُ أشعارَ الحنين والشوق للنماص وأهلها وكأني قد سافرتُ إلى الكونغو، فلا تراني إلا واجمًا حزينًا، حتى إنني لا أنسى أول عهدي بالدراسة في كلية الشريعة في محاضرة للشيخ عبيد الله الأفغاني وهو يدرسنا القرآن، فناداني وأنا ذاهلٌ لم أنتبه له، وكرّر النداء حتى لم يشك أنني سرحت بفكري في أمر بعيد، فقام من مكانه ثم هجم عليَّ بيده فأفزعني فزعًا شديدًا، وقال: أين كنت؟ فقلتُ دون تردد: النّماص! فضحك الشيخ، وقال: هل تعلم ما معنى نماص بالفارسية؟ قلتُ: لا، قال: صلاة. فلم أنسها من ذلك اليوم.

وذات يوم وبعد أن تخرجت من كلية الشريعة (عام 1414هـ تقريبًا) جئتُ إلى النماص زائراً، فطلب مني أحد الأصدقاء المشاركة في أمسيّة شعرية تنظمها إمارة النماص، وكانوا يسمون المحافظات ذلك الوقت إمارات، ويحضرها عدد من شعراء المنطقة، وقال لي: الأمسية اليوم بعد صلاة العشاء مباشرة في ساحة مفتوحة أمام الإمارة، وشجعني أن المشاركين من أصدقائي الذين أعرفهم وأعرف شعرهم، وظننتُ أني لن أكون دونهم في الشاعرية، فلما ولى صاحبي، فكرتُ في القصيدة التي أشارك بها، فلم أجد قصيدة تناسب المقام تصلح أن تكون القصيدة الأولى التي ألقيها في ذلك المساء، فقلتُ في ذلك اليوم قصيدة أودعتها بعض أشواقي ومشاعري نحو موطني (النماص) الذي خرجتُ منه على أمل العودة، ولكنني لم أعد إليها حتى اليوم! وقد ظننتُ أنني الوحيد في هذا حتى لقيتُ يومًا رجلًا مسنًّا في أمستردام بهولندا، حيث ألقيت محاضرة في جامع هناك ثم ذهبت بعد المحاضرة لمنزل أحدهم ومعي عدد ممن حضر المحاضرة وكان ذلك عام 1420هـ تقريبًا، فإذا به قد شاخ وانحنى ظهره، فسألته عن عمره فقال: (84) عامًا، فقلتُ: منذ متى وأنت هنا؟ وكان أصله من المغرب، فقال: جئت إلى هنا وعمري (19) عامًا، وأردتُ أن أبقى هنا عامًا واحدًا للعمل ثم أعود، ولكنني لم أعد حتى اليوم وتزوجتُ، وصار لي أبناء ولأبنائي أبناء وأحفاد، وما زلتُ أحدّث نفسي بالرجوع!

ولما كتبتُ القصيدة أخذتُ أقرؤها وأنا أطلّ من فوق سور مرتفع في منزلنا يطل على وادٍ عشتُ طفولتي في شعابه فترقرقتْ عيني بالدموع، وأخذتني أخذة الأدب في ذلك الموقف، فأقبلتُ على تدوين بعض الأبيات وأضفتها للقصيدة حتى أتممتها قبل المغرب، ثم غدوتُ بها على الجمع في تلك الليلة، وقد حضر الأميرُ وعدد من الوجهاء، وكان من بينهم الأستاذ زهير البارودي الذي كان يعمل موجهًا للغة العربية في إدارة تعليم النماص، وكان يكنى بأبي عبيدة، وكان له هيبةٌ في المدارس إذا زارها، ولا أنسى موقفي ذات يوم عندما دخل علينا فجأة في الصف الثاني الثانوي في حصة اللغة العربية، وكان أستاذنا عبد الكريم النجم -حفظه الله- يدرسنا الأدب واللغة العربية، وكنا قد أخذنا قصيدة أحمد محرم في فتح مكة، وهي موجودة في ديوانه «مجد الإسلام»، فأشار إليَّ بالسؤال وقال:

الله أكبر جاء الفتح وابتهجت

 

للمؤمنين نفوسٌ سرَّها وشفى

ثم سألني: مَنْ قائل هذا البيت؟

فقلتُ: الشاعر أحمد محرم.

فقال: أكمل الأبيات.

فتورطتُ، حيث لم أكن أحفظ إلا بعض أبياتها لا كلها، ولكنني استعنت بالله وألقيتُ الأبيات بطريقة خطابية كنتُ أحسنها ذلك الوقت، وقلتُ:

مـــشـــى النـــبـــيـــُّ يــحـُفـُّ النـصـرُ مـوكـبـَه
أضـحـى أسـامـةُ مـِن بين الركاب له
لم يــــبــــقَ إذ ســـطـــعـــتْ أنـــوارُ غـــُرتــهِ
تــــحـــرَّك البــيــتُ حــتــى لو تــطــاوعــهُ
العاكفونَ على الأصنامِ أضحكَهم
كــــانـــوا يـــَظـــنــُّوَن ألَّا يــُســتــبــاح لهــا
نـــامـــَتْ شـــيـــاطـــيــنــُهــا عـَنـهـا مـُنـَعـَمـَّةً

 

مـــُشـــيـــعــًا بــجــلالِ اللهــِ مــُكــتــنــَفــا
رِدفـــًا فـــكـــان أعـــزَّ النــاســِ مــُرتــدَفـا
مـــَغــنــًى بــمـكـةَ إلا اهـتـزَّ أو وَجـَفـا
أركـــانـــُهُ خـــَفَّ يــلقــى ركــبـَهُ شـغـَفـا
أنَّ الهـوانَ عـلى أصـنـامـهـم عـَكـَفـا
حـمـًى فـلا شـمـمـًا أبدَتْ ولا أَنَفا
وبـــاتَ مـــارِدُهـــا بـــالِخـــزي مــُلتــَحـِفـا

فانبهر بهذا الإلقاء، وساد الصفَّ هدوءٌ مهيبٌ، وكانت له هيبة، ورأيتُ وجه الأستاذ عبد الكريم النجم يتهلّل حيث رأى أنني أنقذت الموقف، ولكنني لم أعد أحفظ أكثر من ذلك، وخشيتُ إن أنا توقفت وهو يرغب في الإكمال أن أعاقب، وكان الضرب في ذلك الوقت مثل (السلام عليكم)، ولا يطالب بثأرنا أحد، فالكلّ يضربنا حتى فراش المدرسة يضربنا لمجرد الاشتباه! فهداني الله في تلك اللحظات الحرجة إلى قول عبارة لم أكن قلتها من قبل، وهي أنني قلتُ وأنا أشير بيدي ومتفاعل مع القصيدة: إلى آخر ما قال.. فانفجر الفصل بالضحك، ولم يملك البارودي نفسه من الضحك، وكان نادرًا ما يضحك، ومثله الأستاذ عبد الكريم النجم، ومرّ ذلك الموقف بسلام، وأثنى على إلقائي، ونصحني بالحرص على الحفظ والعناية بالشعر الجيد، ولم أكن أعرف وقتها إلا قصائد معدودة لا تجاوز ما في المقررات الدراسية.

وكان حضور الأستاذ زهير البارودي تلك الأمسية مربكًا لي بعض الشيء، حيث لم يمضِ على تخرجي من الثانوية إلا بضع سنوات، والمشكلة أنني سأقع في مطبّ أمامه في القصيدة التي كتبتها ذلك اليوم دون أن أشعر إلا وأنا ألقي البيت أمامه.

النماص:

تقع مدينة النماص -التي قلت فيها هذه القصيدة- في جنوب السعودية على بعد 400كم جنوب مدينة الطائف، وعلى بعد 140 كم شمال مدينة أبها، وقد ولدت فيها، وكنت التاسع بين إخواني وأخواتي، وكان أبي يعمل في أول حياته جنديًّا في الجيش السعودي أيام الملك عبد العزيز في عام 1364هـ تقريبًا، وقد ترقى بعدها إلى رتبة نائب، وقد سافر إلى فلسطين وشارك في الحرب هناك مع الجيوش العربية التي شاركت في حرب 1367هـ للدفاع عن فلسطين، ولكن الخيانة التي وقعت حينذاك من القيادات أفقدت تلك المشاركة قيمتها وثمرتها، وقد شارك هو وزملاؤه بصدق وإخلاص لتحرير فلسطين من اليهود، وقد حدثني بأخبار تلك الرحلة وكيف سافر هو وعدد من زملائه في الجيش، وقد شارك معه عددٌ كبيرٌ من بني شهر في تلك المعارك أكثرهم توفي وبقي منهم قلة قليلة. وقد رجع من تلك الحرب فاستقرّ في الطائف مدة يعمل في الجيش، ثم انتقل للعمل في إدارة المرور في جدة، والعجيب أنه كان يعمل في المرور وينظم مرور السيارات وهو لا يجيد قيادة السيارة، وكم حاول أن يتعلم قيادة السيارة، وتعلمنا جميعًا وهو يحاول التعلم معنا دون جدوى، ولا زال هذا الأمل يراوده حتى توفي وفي نفسه شيء من قيادة السيارة. ثم ترك العمل في المرور وانتقل للعمل في الشرطة عام 1380هـ تقريبًا وطلب العودة للشرطة في النماص ليكون قريبًا من أخته الكبرى عمتي فاطمة التي كانت تقوم على شؤون بلادنا وأراضينا في النماص، وكان والده حنش بن عبد الله وهو جدي لأبي قد توفي وأبي طفل صغير لا يكاد يميز، وقد أخبرني أنه لا يذكر والده إلا كالحلم، ولم يكن لوالدي إخوة إلا أخته لأبيه فاطمة التي كانت تكبره بأكثر من ثلاثين عامًا تقريبًا، وقد عاد أبي إلى النماص ليعمل في محكمة النماص أول نشأتها، فعمل شرطيًّا مدة من الزمن، ثم وجد أن العمل المدني في المحكمة أكثر راتبًا من العمل في الشرطة فطلب تحويل وظيفته لوظيفة مدنية وهكذا كان، وقضى والدي بقية عمره في العمل في وظيفة مراسل في محكمة النماص، وقد عمل من عام 1383هـ حتى تقاعد عام 1409هـ في تلك الوظيفة مع رئيس محكمة النماص عبد الرحمن بن علي بن شيبان (1329-1429هـ) حتى تقاعد، وقد استفاد كثيرًا من صحبته لهذا الشيخ الجليل، وقد سماني باسمه عندما ولدتُ له عام 1392هـ، وأذكر وأنا صغير عندما زرانا في بيتنا الشيخ عبد الرحمن بن شيبان وأعطاني مبلغ 100 ريال كهدية لكوني سميًّا له، ولا أذكر إلا لون المائة ريال الحمراء التي كانت تصدر في عهد الملك فيصل بن عبد العزيز، ولا أدري أين ذهبت تلك المائة ريال، ولعلّ أبي صادرها في ذلك الزمان الصعب الذي للريال فيه قيمته الكبيرة جدًّا، وليس كاليوم الذي أعطي فيه ابني الصغير محمد 10 ريالات فيرفض أن يأخذها ويريد الفئة ذات اللون الأخضر كما يقول وهو يعني الخمسين ريالًا، وهو في الصف الأول الابتدائي، فكيف سيصنع بي إذا كبر؟!

وأذكر أن والدي كان يثني كثيرًا على عبد الرحمن بن شيبان، وعندما دخلت كلية الشريعة فرح أبي بذلك لأنني ربما أتخرج قاضيًا، والقاضي عند أبي هو أكمل الناس لما يرى يوميًّا من مكانة القاضي في المجتمع، وكيف يقضي القاضي على الجميع دون استثناء، وأذكر أنني عندما تخرجت من الكلية وتم ترشيحي للقضاء ضمن عدة زملاء، رفضتُ هذا العرض، فغضب أبي كثيرًا، وحاول إقناعي بأن وظيفة القضاء أفضل وظيفة، ولكن دون جدوى. فلما رأت الكلية عدم قبولي للترشيح للقضاء وعدم مباشرتي للعمل استدعوني للكلية وتم ترشيحي للعمل في الكلية على وظيفة معيد، ولكن لعدم وجود وظيفة شاغرة في قسم أصول الفقه أو الفقه حيث إنني تخرجت من قسم الشريعة؛ خيروني في قسم السنة أو القرآن وعلومه، فاخترت القرآن وعلومه لكوني قد حصلت على إجازات في القرآن من بعض المقرئين في أبها، فلما أخبرت أبي بأنني التحقت بوظيفة معيد ساءه ذلك، وقال: سبحان الله! تترك وظيفة القاضي التي لا أفضل منها، وتتوظف في وظيفة معيد، وما معنى معيد إلا الطالب البليد الذي سقط في الدراسة فأعادها مرة أخرى؟! فضحكتُ وقلت: المعيد هي وظيفة مثل المدرس. فانصرف عني وهو يسخر مني ومن سوء اختياري، رحمه الله وغفر له.

وكان أبي قد درس في المدرسة الليلية حتى بلغ الصف الخامس، ولكنه لا يكاد يقرأ إلا بصعوبة، ولم يكن يدقق كثيرًا في أمور الدراسة لنا نحن الأبناء، وإنما أكثر ما يشغله أمر الصلاة في الجماعة، فيتعاهدنا تعاهدًا شديدًا في ذلك ولا يرتاح إلا إذا رآنا في المسجد معه نصلي مع الجماعة، ولا أنسى حرصه على الصلاة في الجماعة حتى وهو يحرث الأرض بالبقر وأنا معه أقود له البقر أو أسوقها أو أجمع محصولًا من الأرض، فحين يؤذن المؤذن يوقف البقر، وينطلق للبيت يتوضأ ويصلي في المسجد ثم يكمل عمله منذ عرفته. ولا أذكر أنه سأل عني في مدرسة قط مع حرصي على ذلك فقد كنت من الطلاب الجيدين في المدرسة، وكنت أستغرب من كثرة سؤال بعض أولياء الأمور عن أبنائهم في المدرسة، وأبي لا يزورنا مطلقًا! وأخبرني إخواني الكبار أنه كان كذلك معهم.

وأما أمي فقد كانت البنت الكبرى لجدي شكري بن ظافر الشهري، وكان يعمل في تجارة التمر يجلبه من بيشة ويبيعه في النماص، وهو من قبيلة بني بكر أيضًا التي منها والدي، وقد نشأت أمي ترعى الغنم وتعمل في الأرض، فتزوجها والدي ربما عام 1369هـ تقريبًا، وانتقلت لمنزل والدي الذي لا يسكن معه فيه أحد إلا عمتي فاطمة أخت والدي لأبيه، وكانت امرأة قد توفي زوجها قديمًا، ولديها ابنة واحدة تزوجت وسافرت مع زوجها، ولم يبق إلا أمي وعمتي، وكانت الحياة قاسية جدًّا، لا مورد فيها للأسر إلا ما يزرعونه بأنفسهم في مزارعهم، أو يحصلون عليه من السمن واللبن من أبقارهم وأغنامهم. ولكن لأن المجتمع كلّه بهذه الصورة فقد كان ذلك يخفف من قسوة تلك الحياة، وكان الناس في تلك القرية الهادئة قرية (الجهوة) يتعاونون على الحياة الصعبة، يتعاونون في حرث الأرض، وفي قِصابها بعد حرثها، والقِصَّاب هو توزيع مجاري الماء في الأرض التي يزرع فيها الشعير والبر والذرة وغيرها من المحاصيل الزراعية التي نزرعها في النماص، كما يتعاونون في جني الثمار وفي درسها ودياسها وفي الذراة وهي تخليص الحب من التبن حتى يخزن الحَبّ على حدة والتبن على حدة في مواضع هبوب الرياح، وكان ذلك الموسم من أشق المواسم علينا في السنة، وكنت أكرهه جدًّا لما نجده من ألم الأماريق التي تدخل بين ثيابنا وفي رقابنا فنشعر بألم شديد لها، ولم يكن هناك مفر من تلك الأعمال الشاقة التي نمارسها جميعًا في تلك القرى الصغيرة.

وكان أبي رجلًا حازمًا جدًّا، جنبيته بوسطه طيلة اليوم فلا يخلعها إلا إذا نام ومثله سائر الرجال في القرية، وعصاه في يده، فمن لم تؤدبه العصا استلَّ عليه الجنبية إذا لزم الأمر تهديدًا، وكان يكفي أن يضع يده على مقبض الجنبية ليدخل الخوف في قلب أحدنا فينصاع دون تردد.

هذا طرف من حياة عشناها في النماص، بحلوها ومرها، وذكرياتها مع أبي وأمي وإخواني وأخواتي، وكانت القرية كالأسرة الواحدة، يتفقد بعضنا بعضًا، ويربينا جميع أهل القرية دون تردّد إذا رأوا منا أي مخالفة تستحق التأديب، ولم يكن الآباء يشعرون بأي تحرّج من ذلك، بخلاف الناس اليوم الذين أصبح أحدهم يغضب إذا تدخّل أخوه في تربية أبناءه أو توجيههم.

والحديث عن الحياة في النماص خلال الخمسين سنة الماضية وربما أكثر جديرة بالكتابة والتوثيق، وفيها الكثير من العبر والفوائد التربوية والأدبية، وقد كنت جمعت من تفسير الطبري وغيره من معاجم اللغة ودواوين الشعراء ما يزيد عن (1300) مفردة من المفردات التي نستعملها في لهجتنا المحلية ذات الأصول والمعاني العربية الفصيحة، وأعني أن عامة الناس الذين لم يقرأوا ولم يتعلموا قط كوالدتي مثلًا يتحدثون بها ويشرحون معناها كما في كتب المعاجم.

ووالدتي -رحمها الله- من ذلك النوع الممتع في حديثه، وقد كنتُ أستمتع كثيرًا بالحديث معها عن الماضي وذكرياته ومعاناته، وهي بالرغم من كلّ هذه السنوات الطويلة حيث كانت قد جاوزت الثمانين لم تدخل العجمة ولا المفردات الحديثة على لسانها أبدًا، وإذا نطقت شيئا من ذلك أخلَّت به. وهذا فيه تأكيد لصحة منهج اللغويين الذين اختاروا من قبائل العرب تلك القبائل التي لم تختلط بالأعاجم لكي يحتجوا بلغتها وشعرها ونثرها، وهذه مسألة تطول.

وقد كنتُ أجد معاناة لذيذة في كتابة الشعر في النماص وأبها، وكنت وحيدًا بين كتبي لا ينازعني وقتي أحد، ولا يوجد عندي وسيلة اتصال تقطع خلوتي، فكنتُ إذا بدأتُ أكتب القصيدة أتنقل في أرجاء المنزل، وألف وأدور، وأخرج وأدخل كأنني ممسوس، حتى إذا أتيتُ على معظم القصيدة استرحت وهدأتْ نفسي وأعدت كتابة القصيدة بخطي في ورقة بيضاء، ثم أضعها في جيبي وأصحبها معي أقرؤها وأنقحها، وعندما قرأتُ أن زهير بن أبي سلمى كان ممن ينقح شعره حولًا كاملًا، وأنه سُمِّي ومن يفعل فعله من الشعراء بعبيد الشعر؛ شعرتُ بشيء من الزهو والراحة، لأنني أسير على طريقٍ سار عليها شعراء كبار مثل زهير.

وذات يوم خرجت من كلية الشريعة في أبها لزيارة زميل لي في كلية التربية وكانت حينها منفصلةً عنا، فنحن فرع جامعة الإمام محمد بن سعود، وهم فرع جامعة الملك سعود في أبها، فلما وصلت إلى هناك لم أدرِ أين أبحث عنه، وبينما أنا أسير إذ أنا بلوحة تشير إلى المكتبة، فدخلتها، وقصدت قسم الأدب، فوقعت عيني على كتاب صغير بعنوان «قراضة الذهب في شعر العرب» لابن رشيق القيرواني، فلما قرأته -وهو في الكلام عن شعر العرب وشعرائه ووقفات نقدية رائعة مع كلّ ذلك، ومؤلفه هو صاحب كتاب «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» وهو من أروع كتب الأدب- نسيتُ صاحبي الذي جئت من أجل زيارته، وبحثت عن كتاب «العمدة» للقيرواني حتى وجدته في المكتبة أيضًا فانهمكتُ في قراءته، وكانت تلك الزيارة لصاحبي من أمتع الزيارات، حيث لم أعرف أين أجده، ولقيت بدلًا منه ابن رشيق القيرواني، وتعرفتُ على كتابيه هذين، واشتريتهما بعد ذلك، وهما عندي من أثمن الكتب في مكتبتي، وليس أجمل وألذ من محبة الكتاب إذا صادفت قلبًا خاليًا كقلبي ذلك الحين، حيث كنت أقبلُ على الكتاب الذي أحبه بقلبي وروحي، وأحفظه وأحتفي به غاية الاحتفاء، وكنتُ أقطع مسافات طويلة على قدمي ولا أشعر بثقل الكتب، مع ضيق ذات اليد حتى أجد مشقة في أحيان كثيرة في الجمع بين شراء الطعام أو الكتب، فإن كان الجوع شديدًا قدمتُ الطعام، وإلا فالكتاب.

أقول هذا لأتذكر كيف كنتُ في أول أيام الكلية أتعطش لقراءة الأدب والشعر وكتابته وقراءة كتب الأدب والنقد الأولى، حيث دلني بعضها على بعض، ولم أكن حينها أسأل أحدًا عن كتاب، وإنما يدلني بعض الكتب على بعض حتى تكوّنت عندي مكتبة أدبية رائعة وأنا بعدُ في أول أيام الدراسة في كلية الشريعة، ولا أنسى اليوم الذي قرأتُ فيه «طبقات فحول الشعراء» لابن سلام الجمحي في المكتبة المركزية لفرع جامعة الإمام في أبها، حيث كان للمكتبة هيبة، وللكتاب مهابة، والحاجة تلزمني بقراءة الكتاب في المكتبة، وحبّ الأدب له استيلاء على قلب القارئ، فما أحلى تلك الساعات، وما أطيب تلك الذكريات! وقد ذهبت تلك الأيام ببؤسها وحاجتها، وغادرت في النفس طيبًا وأثرًا لا يمحى. وكم اشتريتُ بعدها من الكتب، وكم حفظتُ من الشعر، ولكنه فقد نكهته تلك أو كاد، وأصبح وقتي اليوم ملكًا لمن حولي، وقَلّ نصيبي منه حتى أصبح أهلي وأبنائي يستكثرون عليّ النظر في كتاب من كتب الأدب، فيرون أنفسهم أولى بذلك الوقت لأذهب بهم إلى السوق أو إلى غيره، فأصبحت أحنُّ إلى تلك الأيام حنينًا شديدًا، وأنتهز الفرص للنظر في تلك الدواوين والكتب النقدية الممتعة، التي كان لها أطيب الأثر في صقل ذوقي ومعرفتي بالشعر، وقد قرأتُ بعد ذلك جلّ المكتبة الأدبية التراثية، واقتنيتُ ما وقعتْ عليه عيني من دواوين الشعر، ولكن تلك المرحلة الأولى من الإقبال على كتب الأدب هي المرحلة التي وقع فيها حب الأدب في قلبي، ومن الحب ما قتل!

ماذا قلتُ في تلك القصيدة؟

بدأت القصيدة بوصف موقفي عندما جاءني صاحبي يطلب مني المشاركة دون موعد مسبق، ودخلتُ من هذا الموقف للقصيدة فقلتُ:

جـــئـــنـــــا لِلُقـــيـــا الهـــَوى مـــِنْ غــيــرِ مــيـعـادِ
والذكـــريـــاتُ رَمـــَتْ بـــي فـــي ســـوانحـــِهـــا
كــــــــمْ ليـــــــــلةٍ بــــِتُّ أَرعــــى ذكــــرَهــــا وأَنــــا
أضــــرمــتَ يـــا شــوقُ قــلبــي مــِنْ فــِراقــهــمُ
هــذي النــَّمــاصُ فــقــلْ مــا كـنتَ تكتمُه
صـُغْ فـي النـماصِ بديعَ القولِ واشدُ بهِ
نــــاديــــتـــُهـــا وشـــُجـــونـــي لا ضـــِفـــافَ لهــا
يــــــــــــــا أَرضَ قـــَومـــي رَعـــاكِ اللهُ مـــِنْ بــَلَدٍ
يــــــــــــــــا دُرةً زُيــــــِّنــــــتْ أَرضُ الســــــَّراةِ بـــــهـــــا
يــــــــــــــا مــــَنْ أَقــــامَ عــلى عــَذلي وخــالَفــَنــي
ســـِرْ فـــي رُبـــاهــا وطــَوِّفْ فــي مـعـاهـِدِهـا
صــــوتُ الهــــزار عــــلى أغــصــانِ أيــكــتــِهــا
ونــَفــْحــَةُ المــِســْكِ والكــافـورِ إِنْ عُدِمَتْ
مـــَنْ لــــي بــنــفــحــةِ شــِيــْحٍ مــِنْ نـسـائـِمـِهـا
أو نــــظــــرةٍ لِمــــَغــــانــــيــــِهــــا وقـــد كـــُســـيـــَتْ
حـــتــــــى الســـحــــــابــُ إذا حــاذى مــرابــعــَهـا
قـــــــد طــاب فــيــــهـا الجـَنـى حـُلوًا لقـاطـفـهِ
تــَلَفـــَّعـــــَتْ بـــضـبـــابٍ خـــَوفَ حـــاسـدِهـــا
حــــَلَّتْ قــــبــــــــائــــلُ حــــَجـــرٍ فـــي مـــرابــعــِهــا
عـــــــــريـــقـــةٌ فــي مــَدى التــاريــخ نــســبــتــُهــا
يــلقــى بــهــا الضــيــفُ مـا يـلقـَاهُ مـِنْ كَرَمٍ
مــــا جـــودُ حـــاتـــم إِنْ عــايــنــتَ جــُودَهــُمُ
قـــــــبــــــــــائــــــلٌ آمــــــنــــــتْ بــــــالله خــــــالقــــــِهـــــا
قــــد بـايـــعـــوه عـــلى الإســــــلامِ مــِـــنْ قــِدَمٍ
أهــــــلُ الشجاعةِ قد سـِيــْطــَتْ دِماؤهــمُ
فــــَقـــُلْ لِمـــَنْ يـــَدَّعـــي فـــي المــجــدِ مــنــزلةً

 

والشــــــوقُ يـــــضـــــربُ أكــــبــــادًا بــــأكــبــادِ
حــــتــــى التــــقــــى الشــــوقُ مـــيـادٌ بـــِمـيـــّادِ
فــــــي غـــــُربـــــتـــــي بــيـن آهــــاتٍ وإنــــشــــادِ
فـــــاليـــــومَ عــــيــــدُكَ مــــوصــــولٌ بـــأَعــــيـــــــادِ
ولا تــــــــَخــــــــَفْ لومَ عــــــُذَّالٍ وحــــــُســـــــــــــَّادِ
فـــــكــــلُّ ثــــغــــرٍ بــــمــــا تــــشـــدو بـــهِ شـــادِ
يــــا قـــصـــةَ الحـــُبـــِّ، يـــا أُنـــشـــودةَ الحــادي
فــــمــــا دِمــــَشــــقــــُ؟ ومــــا أَربــــاضـــُ بــغــدادِ؟
ويــــــــــا ســـــــــليـــــــــلةَ أعـــــــــراقــــــــٍ وأمــــــــجــــــــادِ
أَلا تــــَرى الحــــُســــنــــَ فــــيــــهـــا رائــحــًا غــادِ
يـــــجــــري بـــكـــَ الحـــُســـْنـــُ مـــِنـــْ وادٍ إلى وادِ
يـــــغــــنــــيــــكــــَ عــــَنـــْ صـــوتـــِ قـــَيـــثـــارٍ وأَعـــوادِ
يــغــُنــيــكــَ عــنـهـا عـَبـيـرُ الشـِّيـحـِ والكـادِي
تــــــَشــــــفــــــي غـــــَليـــــلَ فـــــُؤادٍ شـــــُوقــــُه بــــَادِ
بــــُرْدًا مــــن الحــــُســــْنــــِ مــــَشـــفـــوعـــًا بــِأَبــْرادِ
فـــــــــالجـــــــــوُّ مـــــــا بـــــــيـــــــن بـــــــَرَّاقـــــــٍ ورَعـــــــَّادِ
وطــــــابــــــَ فــــــيــــــهـــــا الهـــــَوى وِردًا لِمـــــُرتــــادِ
كـــــظـــــبـــــيـــــةٍ تـــــَتـــــَخــــَفــــَّى خــــَوْفـــَ صـــيـــَّادِ
كـــــــأَنـــــــَّهـــــــا أَجــــــْمـــــَةٌ حـــــُفـــــَّتـــــْ بـــــِآســـــَادِ
ومــــجــــدُهــــا الحــــُرُّ مــــوصــــولٌ بـــأَمـــجـــادِ
يـــــــــُنــــــــســــــــيــــــــــهِ ذِكـــــــــــــْرَ أَخـــــــــــِلاءٍ وأَولادِ
ومـــــا البـــــهـــــاليـــــــلُ مـــــِنْ أبـــــــنــــاءِ عــــَبــــَّادِ؟
تــحمـي حمـى الدين مـن بـاغٍ ومـن عادِ
وقــــد حــــَدَا بــــهــــمــــُ نــــحــوَ الهــُدى حــادِ
مـــــنـــــهـــــا وقـــــد ضــــَرَبــــَتــــْ فـــيـــهـــِم بـــِأَوتـــادِ
جــئــنــي بــِأَجــدادِ صـدقـٍ مـثـلِ أَجـدادي

وقد لقيت القصيدة حفاوة طيبة من الأصدقاء والأدباء في النماص حينها، وأخبرني أحد الأصدقاء أن أحد الطلاب في ثانوية من ثانويات النماص ألقاها ذات يوم في حفل خطابي كنموذج من القصائد التي قيلت في وصف مدينة النماص وأخبرني أيضًا أحد أساتذة اللغة العربية بأنه قررها على طلابه للدراسة والنقد في المرحلة الثانوية، فجزاهم الله خيرًا جميعًا.

ومن اللطائف أن ابني عبد الله وهو في الصف الثالث قال لي: أريد قصيدة لأحفظها وألقيها في المدرسة، وقد ترك الأستاذ لنا حرية اختيار القصيدة. فقلتُ له: احفظ قصيدتي هذه التي كتبتها عن النماص فهي أفضل لك من حفظ قصيدة لأبي تمام أو للمتنبي، فليس أحدهما أباك، وأنا أولى بأن تحفظ شعري وهذا من بِرِّكَ بوالدك، وما زلتُ به حتى أقنعته بحفظها على مضض! فحفظها وألقاها في حفل مدرسته، وبدأها بقوله: قال أبي حفظه الله! ثم بدأ في إلقاء القصيدة، فضحك الجميع، وكانت فقرة طريفة.

أعود للقصيدة:

جــــئـــنـــا لِلُقــيــا الهــَوى مــِنْ غــيــرِ مــيـعـادِ
والذكــــريـــاتـــُ رَمـــَتْ بـــي فـــي ســوانــحــِهــا
كـــــمْ ليــــلةٍ بـــــــــِتُّ أَرعــــى ذكــــرَهـــا وأَنـــا
أضـــرمـــتَ يـــا شــوقُ قــلبــي مــِنْ فــِراقــهــمُ
هـــذي النــَّمــاصُ فـقـلْ مـا كنتَ تكتمُه
صـُغْ في النماصِ بديعَ القولِ واشدُ بهِ

 

والشـــوقُ يـــضــربــُ أكــبـادًا بـأكـبـادِ
حـــتــى التــقــى الشــوقُ مــيـادٌ بِميّادِ
فـــي غــُربــتــي بــيــن آهــاتٍ وإنـشـادِ
فــاليــومــَ عــيــدُكَ مــوصــولٌ بــأَعــــيادِ
ولا تـــــَخــــَفْ لومَ عــُذَّالٍ وحــُســَّادِ
فـــكــلُّ ثـغـرٍ بـمـا تـشـدو بـهـِ شـادِ

جاء هذا الافتتاح ليصوّر حالتي عندما فاجأني الداعي للمشاركة في الأمسية الشعرية، فأشرتُ إلى هذه المفاجأة، وقد صورتُ ذلك بأنني جئتُ في تلك الأمسية لكي ألقى الهوى الذي اشتقت إليه، وهذه صورة شعرية حلوة، حيث إنني استلهمت هذا المعنى من قول نزار:

في مدخل الحمراء كان لقاؤنا

 

ما أطيب اللقيا بلا ميعادِ

فأخذت المعنى وقلت: «جئنا للقيا الهوى من غير ميعادِ»، ولكنني وفقت في الصورة التي في عجز البيت، عندما أردت وصف شدة هذا الشوق بأنه يضرب الأكباد ببعضها، ولك أن تتخيل الأكباد والشوق يضرب بعضها ببعض، لا شك أنه منظر يذكرك بعيد الأضحى وذبح الأضحية، ومنظر الأكباد التي تقطر دمًا!

جئنا لِلُقيا الهَوى مِنْ غيرِ ميعادِ

 

والشوقُ يضربُ أكبادًا بأكبادِ

ويظهر في مقدمة هذه القصيدة لوعتي وحزني وشوقي للنماص، وكيف لا وفيها جيرتي وبها أهلي؟! واللغة تُظهر من مكنون مشاعر الإنسان ما لا يقدر على إخفائه، وحقًّا فالحزن في نفسي مستقر لا يكاد يفارقها، وأجدني منطلقًا عند الحديث عن الحزن أكثر من الحديث عن الفرح؛ ولذلك قلتُ يومًا في قصيدة أتشوق لأهلي في النماص ولقبيلتي بني بكر:

قــِفْ يــا فــؤادي فــدمــعُ العــيــن قـد نـَزَفا
قـلْ: كـيـف حـالُ بـنـي بـَكـْرٍ وأرضـهـِمُ
لاقيتُ مــِن بعــدهـم فـي غـُربـتـي نـَصَبًا
لم يـــبـــــــقَ لي غــيـرُ جـسـمٍ نـاحـلٍ سـقـمٍ
والقــــــــلبُ قـــد مـــَســـَّهُ بـــاللفــحِ لاعـِجـُهُ
دار الزمـــــانُ عـــــلى حــــــــالي فـــــغــــــيــــَّرهـــا
قـد كـنـتُ أرجو غِنًى بالبُعدِ عن وَطَني
وقـــــــد ســـــمـــــــعــــتُ بــــأَنَّ الدرَّ قــــيـــمـــتـــهُ
فـــكـــانَ أن عــقــدتْ نــفــســي عــزيــمـتـَهـا
وخـــِلْتُ أَنـــِّي بـــتـــركـــي الأهــلَ مــُرتــِحــلًا
فـــمـــا لقـــيـــتُ ســوى الآلام تــصــحــبـُنـي

 

واسأل حـَمامًا بغـُصنِ السّروِ قد هتَفَا
فـــالحـــظـــُّ مـــِن بـــعــد أن فــارقــتـهـُم وقـفـــا
فـــالهـــمُّ بـــادٍ بـــوجــهــي ليـس فـيـه خـفـــا
أو مــــُهـــجـــةٍ مـــِن جــواها تــرقــبُ التــَّلَفا
والنــحــرُ قــد بــُلَّ مــِنْ دَمعي وما نَشِفا
فـــبـــُدِّلَ الســـعـــدُ حـــُزنـًا والوصـالُ جـَفـا
ورحـــتُ أَطــلبُ للسـقـمِ المــُمــِضِّ شـِفــا
تـــزدادُ حــيــن يــُخــلِّي خــلَفــَهــُ الصــَّدَفــا
عــــلى الرحــــيــــلِ تــــُريــــدُ العــــزَّ والشـــَّرفـــا
أَلقــــى بــــأرضِ اغـــتـــرابـــي روضـــةً أُنـــُفـــُا
وبــــَدَّلَ الدهــــرُ لي وجــــهـــَ المــُنــى بــِقــَفــا

وهي قصيدة مليئة بصور الحزن كذلك، وصفت فيها مواضع القبيلة موضعًا موضعًا، ولعل السبب في ذلك أننا عشنا حياةً صعبةً في النماص، لا نكاد نفتر عن العمل في الأرض والمواسم تتكرر علينا، فلا ينقضي الصيف بأعماله ومحاصيله إلا ويدخل الخريف بيبوسته ورياحه، ثم يدخل الشتاء ببرده وأعماله، وهكذا الربيع في دورة متكررة لا تفتر، ومن القصص الشعبية المتداولة أنَّ عبدًا من عبيد أحدهم ملَّ من هذه الحياة الصعبة، فسأل سيده وهو واقف على البئر يسقي الماء: ماذا بعد الصيف؟ قال: الخريف، قال: وماذا بعد الخريف؟ قال: الشتاء، قال: وماذا بعد الشتاء؟ قال: الربيع. فعلم هذا العبد أنه لا فكاك ولا راحة من هذا العناء إلا بالموت، فألقى بنفسه في البئر، فصاح سيده في الناس النجدةَ النجدةَ، أو بتعبير أهل تلك القرى: يا حبال يا حبال، أي ليحضر كلٌّ منكم حبله ويحضر للنجدة، وفعلًا حضر الناس ولكن لم يدركوه إلا ميتًا، فقال سيده على رؤوس الأشهاد: أشهدكم أنني قد أعتقته لوجه الله! قالها بعد فوات الأوان.

ومن الأبيات الطريفة في قصيدتي الدالية قولي:

نـاديـتـُهـا وشـُجـوني لا ضِفافَ لها
يـا أَرضَ قَومي رَعاكِ اللهُ مِنْ بَلَد

 

يا قصةَ الحُبِّ، يا أُنشودةَ الحادي
فــمــا دِمــَشــقــُ؟ ومــا أَربـاضـُ بـغدادِ؟

وهذان البيتان هما اللذان قصدتهما عندما قلت: إن الأستاذ زهير البارودي مفتش اللغة العربية حينها وهو من سوريا قد استنكرهما؛ حيث فضّلتُ فيهما النماص على بغداد ودمشق، ولا غرابة في ذلك عندي، حيث إن النماص عندي أحبّ من بغداد ودمشق، فلم أكن زرتُ بغداد ولا دمشق حينها، وقد زرت دمشق بعد ذلك ولم تتغير قناعتي، ولما ألقيتُ البيت تمعّر وجه الأستاذ زهير وكان في الصفوف الأولى، وضحك الناس وصفقوا، فأعدتُ الأبيات وتوقفت عند كلمة دمشق إمعانًا في استثارة الأستاذ زهير -وفقه الله-، وقد بلغتُ مقصدي من ذلك، ثم أكملتُ وكأنني أعددتها لهذا الموقف خاصة دون سابق تهيئة، وكأنني كنتُ أتوقع من يعارضني في هذا التفضيل:

يــــــا دُرةً زُيــــــِّنـــــتْ أَرضُ الســــَّراةِ بــــهــــا
يـــا مـــَنـــْ أَقــامــَ عــلى عــَذلي وخــالَفــَنـي
ســِرْ فــي رُبــاهــا وطــَوِّفـْ فـي مـعاهِدِها
صـــوتُ الهـــزار عــلى أغــصــانٍ أيــكـتـِهـا
ونـَفـْحَةُ المِسْكِ والكافورِ إِنْ عُدِمَتْ
مــَنْ لي بــنــفــحــةِ شــِيــْحٍ مـِنْ نـسائِمِها
أو نـــظـــرةٍ لِمـــَغـــانـــيـــِهـــا وقـــد كـــُســـيــَتْ
حــتــى الســحــابُ إذا حــاذى مــرابـعَها
قـد طـاب فـيـهـا الجـَنـى حـُلوًا لقاطفهِ
تــــَلَفـــَّعـــَتْ بـــضـــبابٍ خـــَوفَ حــاســدِهــا

 

ويــــــــــا ســـــــليــــــلةَ أعــــــــراقٍ وأمــــــجــــــادِ
أَلا تـــَرى الحـــُســنَ فــيـهـا رائـحـًا غـادِ
يـجـري بـكَ الحـُسْنُ مِنْ وادٍ إلى وادِ
يـــغـــنـــيـــكَ عــَنْ صــوتِ قــَيــثارٍ وأَعـوادِ
يـغُنيكَ عنها عَبيرُ الشِّيــــحِ والكادِي
تــــَشــــفـــي غـــَليــــــــلَ فـــُؤادٍ شـــُوقـــُه بـــَادِ
بـــُرْدًا مــــــن الحـــُســــْنِ مـَشـفـوعـًا بـِأَبـْرادِ
فــــــالجـــــــــوُّ مــــــا بــــــيــــــــــن بـــــَرَّاقٍ ورَعــــَّادِ
وطــــابَ فـــيـــهـــا الهـــَوى وِردًا لِمـــُرتـــادِ
كـــظـــبـــيـــةٍ تـــَتـــَخـــَفـــَّى خـــَوْفَ صـــيــَّادِ

ولعلّ من أحسن أبياتها البيت الأخير الذي حاولتُ فيه فلسفة الضباب الذي يحجب الرؤية أكثر أيام السنة في النماص، فلا تكاد ترى إلا مسافة قصيرة للرؤية، وهو أنَّ النماص تكتسي بالضباب خوفًا من العين، كما تفعل الظبيةُ خَوفًا من الصياد، وقد استحسن عددٌ من الأدباء هذا التصوير حينها، وقد كان أخي الدكتور زاهر بن معاضة يقول: إن الضباب في النماص يذكرني بلندن وأجوائها، وكان حينها يدرس هناك في السبعينات الميلادية، فوقعتْ في نفسي كلماته تلك منذ الصغر، وعلمتُ أن النماص تشبه لندن في الضباب، ثم قرأتُ بعد ذلك أن لندن تسمى مدينة الضباب.

ومع هذا يبقى حديث الشاعر عن قصيدته ثقيلًا، ولكن لأنني لا أرجو بهذا البيان شهادة ولا درجة ولا اجتياز اختبار؛ فلذلك سمحت لنفسي بهذا معتذرًا للأدب وأهله. والسلام.