الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

خزانة الأدب: تأملات خاصة في ظلال أدب العربية (1)

خزانة الأدب: تأملات خاصة في ظلال أدب العربية (1)

كيف يُكتَبُ الشعرُ؟ مع شاعر اليمن الكبير محمد محمود الزبيري:

الشاعر محمد محمود الزبيري -رحمه الله- (1328-1385هـ)، شاعر اليمن الأول في العصر الحديث، من يقرأ ديوانه يشعر بروح الشاعرية تتوثّب توثبًا من خلال الأبيات.

ولد ونشأ الزبيري في حارة بستان السلطان بمدينة صنعاء باليمن، العاصمة اليمنية العريقة، وبها بدأ تعلمه، ومال إلى الأدب عامة والشعر خاصة، فدرسه حتى تمكن من نفسه، فهام به أي هيام.

وأسرة الزبيري من الأسر الصنعانية العريقة التي نبغ فيها قضاة وعلماء وشعراء، فقد كان جدّه القاضي لطف الباري الزبيري شاعرًا وكان من أسرته أيضًا القاضي لطف الله بن محمد الزبيري من علماء حفظة كتاب الله ومن شعراء اليمن المعروفين، كما اشتغل والده محمود الزبيري بالقضاء، فأسرة الزبيري أسرة قضاة، وكثيرًا ما رأينا لقب القاضي مقترنًا باسم شاعرنا ولقد حفظ الزبيري القرآن الكريم صغيرًا، وكان نديّ الصوت بالقرآن، يحب الناس أن يستمعوا إليه وإذا استمعوا إليه أنصتوا وخشعوا، وقد أمّ الناس في صلاتهم وهو لم يزل دون العشرين من عمره.

بدأ دراسته في الكُتَّاب ثم بالمدرسة العلية ثم بجامع صنعاء الكبير، وكان هاويًا للمطالعة هواية ملكت عليه لبّه، ونظم الشعر وهو دون العشرين من عمره أيضًا.

وقبل نشوب الحرب العالمية الثانية انتقل إلى مصر ليتم دراسته فالتحق بدار العلوم، وقبل أن يتم دراسته فيها عاد إلى اليمن عام 1941م وكانت الأوضاع فيها متردية، استشرى فيها الفقر والمرض، ولم يقم الحكام بواجبهم نحو مكافحة هذين البلاءين، وزاد الأمر سوءًا انتشار الجهل وانتصار حكام اليمن له، فأذهل هذا الوضع الزبيري فصرخ متألمًا:

ماذا دهى قحطان؟ في لحظاتهم
جــــهــــلٌ وأمـــراضـــٌ وظـــلـمـــٌ فــــادحٌ

 

بـُؤسٌ وفي كلماتهــــم آلامُ
ومخافةٌ ومجاعـةٌ و«إِمـامُ»

لقد اتسعت الشقة بين الشعب اليمني وحكامه، وترصد كلّ منهما الآخر وكان لا بد للزبيري أن يسعى لإنقاذ شعبه مما هو فيه، فسعى إلى إقناع الحكام بالسماح لهذا الشعب المسكين أن ينطلق من قيوده، وقد بذل كلّ ما في وسعه لتحقيق الخير لبني وطنه، فمدح الأئمة وأبناءهم وصانَعَهم ولاينهم، ولكن بلا جدوى، فقد تمكنت في نفوسهم عقيدة راسخة بأن هذا الشعب لا يُحكم إلا بالحديد والنار.

ولما يئس من استجابة الحكام لدعوته للإصلاح ترك المصانعة وأعلنها عليهم حربًا ضروسًا، سلاحه فيها شعره المتفجر الملتهب؛ فقد كان يعتقد بأن للقلم في مقاومة الطغيان فعل الحديد والنار، وقد عبَّر عن هذا الاعتقاد نثرًا وشعرًا فمن ذلك قوله: «كنتُ أحسّ إحساسًا أسطوريًّا بأني قادر بالأدب وحده على أن أقوّض ألف عام من الفساد والظلم والطغيان»، وفي نفس المعنى يقول شعرًا:

قوّضتُ بالقلمِ الجبَّارِ مملكةً

 

كانت بأقطابها مشدودة الطنبِ

وفي نفس العام الذي عاد فيه من القاهرة استقبلته سجون صنعاء وتعز، ولما استطاع محبوه أن يخرجوه من السجن لم يطق البقاء في اليمن -السجن الكبير كما دعاه- فارتحل إلى عدن سنة 1944م لعلّه يستطيع أن ينطلق منها لتحقيق الحرية لقومه، فعمل على بثّ روح التضحية والثورة في الشعب اليمنى عن طريق صحيفته التي أصدرها في عدن سنة 1946م باسم (صوت اليمن)، واختاره اليمنيون المقيمون هناك رئيسًا للاتحاد اليمني، وأسلموا له راية الجهاد.. تابع جهاده في عدن رغم مضايقات الإنجليز إلى أن قامت الثورة الأولى بقيادة عبد الله بن أحمد الوزير سنة 1948م، قتل فيها الإمام يحيى حميد الدين وعدد من أولاده، فهرع إلى اليمن وعين وزيرًا للمعارف، ولكن هذه الثورة لم تدم أكثر من شهر، وعادت أسرة حميد الدين للحكم في شخص الإمام أحمد ابن الإمام المقتول، وفرّ الزبيري ثانية، ولكنه وجد الأبواب أمامه موصدة إلا باب الدولة الإسلامية الناشئة في باكستان فالتجأ إليها، ولقي من شعبها المسلم كلَّ تكريم فقابل هذا التكريم بمثله فتغنى بهذا الشعب الأبيّ، وأنشد أجمل قصائده فيه وأذاع روائع شعره من إذاعة الدولة الناشئة، وقصيدته التي معنا في هذه التأملات كتبها في كوخ من أكواخ باكستان بعيدًا عن وطنه.

وفي عام 1952م هرع إلى مصر عندما علم بقيام الثورة فيها، واستبشر الزبيري خيرًا بهذه الثورة عندما لاحت على بداياتها السمات الإسلامية، فأمّل في مساعدة قادتها لليمن، وما كان يعلم آنذاك ما خبأته الأقدار لليمن على أيدي رجالات هذه الثورة قام أحمد يحيى الثلايا بثورته الإصلاحية في سنة 1955م والزبيري بمصر، ولكن الثورة فشلت قبل أن يسهم فيها بشيء، وعاد حكام اليمن أكثر قسوة وأشدّ تصميمًا على منهجهم في الحكم، واستمر الزبيري في مصر يدعو لإنصاف شعب اليمن عن طريق المقالات التي ينشرها في صحيفة (صوت اليمن) التي أعاد إصدارها في سنة 1955م، وأخذ يشارك في جميع القضايا العربية والإسلامية بجهده وشعره.

ويئس بعض رفاقه في الكفاح، وظلّ الأمل يحدوه، وقامت ثورة 1962م بقيادة عبد الله السلال الذي استدعى الزبيري من القاهرة وسلمه وزارة التربية والتعليم، ثم عين عضوًا في أول مجلس لرئاسة الجمهورية، ولكن الرياح لم تجر كما شاء لها شاعرنا وقدَّر؛ فانتكست الثورة بحرب أهلية مريرة لم يشهد تاريخ العرب لها مثيلًا، فترك الزبيري الوزارة وأفرغ جهده في إصلاح ما أفسده المفسدون فزار القبائل وعرّض نفسه للقتل، ودعا إلى الوفاق والصلح وحقن الدماء، وحضر جميع المؤتمرات التي عقدت للصلح، وكان رئيسًا لمؤتمر عمران الذي أصدر قرارات الصلح والوفاق، ولكن هذه القرارات جوبهت بالمماطلة في التطبيق… وتوالت المؤتمرات في الكويت وفي السودان وفي اليمن…، وكان الزبيري فيها جميعًا داعية الوفاق والإصلاح.

لقد أدرك -رحمه الله- بعد كلّ ما بذل من جهد أن الدعوة الفردية لا تجدي، وأنه لا بد من تنظيم يتبنى نظامًا مقبولًا لدى الشعب اليمني بأسره يكون بديلًا لكلّ هذه الدعوات التي أغرقته في بحار من الدماء، ولم يكن الزبيري ليعدل بالإسلام نظامًا، فقد عاش حياته مؤمنًا أن لا حياة للمسلمين إلا بالإسلام فسارع إلى إنشاء حزبه باسم (حزب الله)، فالتفّ حوله خيرة الرجال في اليمن، وانطلقت دعوته تجوب آفاق اليمن فتلقى المجيبين والملبّين، وبدأ حملة واسعة في أرجاء اليمن يخطب الجماهير داعيًا إلى ما آمن به، وانتهى به المطاف إلى جبال (برط)، وبينما كان يلقي خطابه انطلقت رصاصات غادرة تخترق قلبه المؤمن، فسقط على تراب اليمن التي وهبها حياته كلّها، وفي هذا اليوم أول نيسان 1965م صمت الصوت الذي هزّ اليمن، هزّ المخلصين فسارعوا إليه يلبون نداءه، وهزّ الحاقدين والمنتفعين والمستعمرين فسارعوا إلى إفراغ حقدهم برصاصات استقرت في القلب الكبير.

ومحمد الزبيري شاعر مطبوع، تعشّق الأدب منذ يفاعته، وقال الشعر منذ صباه، يمتاز شعره بالجزالة والحيوية وهو في نسجه أقرب ما يكون للقدامى لولا المعاني الحديثة التي يتناولها، وقف شعره تقريبًا لقضيته الكبرى حرية اليمن وسعادة شعبه، فقد هاله ما يعانيه اليمنيون من ظلم الحكّام وفتك الأمراض وانتشار الفقر واستيلاء الجهل على الناس، فحاول محاربة كلّ هذه الأوبئة بالكلمة، بالأدب، بالشعر وكان مؤمنًا إيمانًا لا يتزعزع بأنه قادر بها أن يخلص شعبه ويسعده، وقد ظهر اعتداده بشعره في الإصلاح في قصيدته التي معنا.

ولم يخل شعره من الالتفات إلى قضايا الإسلام والمسلمين، فالتفت إلى قضايا فلسطين وباكستان وكشمير… ودافع عنها وبيّن وجه الحق فيها، ولم يستطع شاعر عربي قبل الزبيري أن يصوّر بشعره الظلم والظالمين بمثل القوة التي صورهما بها، وأن يرسم للطغاة صورًا تكشف حقيقتهم وتسخر من جبروتهم بمثل ما رسمها، وقارئ دواوينه لا ينفك يطالع هذه الصور المعبرة واللقطات الحية؛ لأنه شاعر عاش هذا الظلم في أبشع صوره، ولم يصفه وصف الذي سمع به، وليس راءٍ كمن سمع، كما قالت العرب.

 وأرغب في هذه التأملات التوقف مع قصيدته البديعة التي أعدُّها مِن أجملِ ما قيل في الأدب العربي في وصف لحظات الإشراق الفني والإبداع الشعري، والقصائد التي قيلت في وصف تلك اللحظات قليلة جدًّا في الأدب العربي بحسب ما اطلعتُ عليه.

 ومن تلك الأبيات القليلة التي يصف فيها الشعراء لحظات محاولتهم لقول الشعر قصيدة جميلة للشاعر سويد بن كراع العكلي؛ حيث قال واصفًا موقفه حيال هذه الإلهامات التي تأتيه، وكيف تعتاص عليه هذه القوافي كأنها سربٌ مذعور من بقر الوحش النافرة لا تكاد تهدأ، وكيف يترقب هذه الأبيات في أوقات السَّحَر وكأنه يراقب صيدًا يصيده، وكأنه يشير إلى أن أجمل أوقات قول الشعر هو وقت السَّحَر، وقد ذكر ذلك عدد من الأدباء كابن رشيق في العمدة وغيره، وكيف أن هذه الأوابد من القوافي لا تكاد تتأتّى له إلا بطول صبر ومخاتلة، وهو يعطي للشاعر درسًا ألا يرضى بأدنى المعاني والقوافي كما يصنع كثير من الشعراء اليوم، فيكثرون من الشعر الركيك الذي لا يساوي ريالين، ويورث قارئَه حموضةً يجدها في نفسه حتى تزول بقراءة شيء من الشعر الذي يستحق أن يقال له شعر؛ وذلك أنه يخاف هذا الشاعر المبدع أن تروى عنه أبيات ضعيفة:

إذا خفتُ أن تُروى عليَّ رددُتها

 

وراءَ التَّراقي خشيةً أن تطلعا

وكأنه يكتم سرًّا من الأسرار أن يبوح به؛ تقديرًا لذائقة المستمع، وخوفًا من أن تنقل عنه سقطة، ولذلك هو يراجعها ويثقفها حولًا ثم يذيعها.

أبـــــيــــتــــُ بــــأبــــوابـــِ القـــوافـــى كـــأنـــَّمـــا
أُكــــالئـــُهـــا حـــتـــى أعـــرّس بـــعـــدمــا
عــــواصــــيــــَ إلا مــــا جـــعـــلتـــُ وراءَهــا
أهــــبـــْتـــُ بـــغـــر الآبـــدات فــراجــعــت
بـــــعـــــيــــدة شـــأو لا يـــكـــاد يـــردّهـــا
إذا خـــفـــتــُ أن تــُروى عـليـَّ رددُتـهـا
وجـشـّمـني خوفُ ابنِ عفان ردَّها
وقـد كـان فـي نـفـسى عليها زيادة

 

أُصـادي بـهـا سـِرْبـًا من الوحش نُزّعا
يـــكـــون ســـُحــيــرًا أو بـُعـيـدُ فـأَهـجـعـا
عـــصــا مــربــد تــغـشـى نـحـورًا وأذرعـا
طــــريــــقــــًا أمــــلّتـــه القــصــائــد مــَهــْيــَعــا
لهــــا طــــالب حــــتـــى يـــكــلَّ ويــظــلعــا
وراءَ التــــَّراقــــي خــــشــــيــــةً أن تــطــلَعــا
فــــثــــقــــّفــــتـــُهــا حــولًا جــريــدًا ومــربــعــا
فـــــلم أَرَ إلا أن أطـــــيـــــع وأســـــمـــــعـــــا

ولمعرفة كبار الشعراء والنقاد بمكانة الشعر قالوا: «قول الشعر أشدّ من قضم الحجارة على من يعلمه»، ولذلك فهو يراجعه وينقحه أحسن تنقيح، وقالوا أيضًا: «عمل الشعر على الحاذق به أشدّ من نقل الصخر، وإن الشعر كالبحر أهون ما يكون على الجاهل أهول ما يكون على العالم، وأتعب أصحابه قلبًا من عرفه حقّ معرفته».

وقد نقلوا عن العلامة الراوية الأديب المفضل الضبي أنه سأله أحدهم: «لِمَ لا تقول الشعر وأنت أعلم الناس به؟ فقال: عِلمي به هو الذي يمنعني من قوله»، واستشهدَ بقول أحدهم:

وقد يقرض الشعرَ البكيُّ لسانه

 

وتُعيي القوافي المرءَ وهو لَبيبُ

ومثله الأصمعي عندما قيل له في ذلك، فقال: «جيده يعافني، وأعاف رديئه»، أو كلمة نحوها، وقال الفرزدق يومًا مصورًا صعوبة قول الشعر أحيانًا: «أنا عند العرب أشعر الناس، ولربما كان نزع ضرس أسهل عليَّ من قول بيت شعر». فأين هؤلاء الشعراء الذين يكتبون كلّ يوم قصيدة أو قصيدتين لا تساوي الواحدة منها ريالًا واحدًا؟!

وقد أحسن محمد الزبيري تصوير هذه اللحظات التي يمرّ بها الشاعر المبدع أثناء إنشاءه للقصيدة، وأجاد في رسم تلك اللمحات الشاردة التي لم يتوقف لتصويرها إلا القليل النادر، فهو يصور هذه اللحظات بريح الجنان التي تهبُّ على النفس، ولك أن تتصور تلك الريح التي تهب من الجنة وما فيها من النعيم والانشراح، وكيف أنها تنال بهبوبها أعماق الروح، وكيف تأتي القوافي الشعرية مصاحبة لهذه الريح التي تسري في الأعماق ويشعر بها الشاعر كأنها نمل يدبُّ دبيبًا، وكيف استطاع تصوير إقبال الأبيات والقوافي على الشاعر وإدبارها ومراوغتها، كما صنع امرؤ القيس في وصفه لفرسه بقوله:

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معًا

 

كجلمود صخرٍ حطَّهُ السيلُ من علِ

وكيف أن بعض الأبيات يلمح في ذهن الشاعر ثم يغيب على أمل اللقاء، وبعضها يأتي مذعنًا فيقيده الشاعر ويستريح.

أُحِسُّ بريحٍ كريحِ الجِنانِ
وأَشعرُ أنَّ القوافي تدبُّ
فــهــذا يـزوغـُ وذاك يـروغُ
وذاكَ يـــُفــارقــنــي يــائــســًا

 

تهبُّ بأعماقِ رُوحي هُبوبا
كالنَّملِ ملءَ دماغي دَبيبا
وذلك يـُذعـنُ لي مُستجيبا
وهــذا يــُواعــدنــي أَن يــَؤُوبــا

ثم ذكر الغرض الذي يسعى من أجل تحقيقه بهذه القصائد والأبيات وهي رسالات سامية لصالح أمته ووطنه، وفيها تظهر عاطفته الوطنية القوية نحو أهله في اليمن، الذين خرج وتركهم، ورضي بالغربة بعيدًا في باكستان من أجل السعي لإنقاذهم؛ فيقول:

ومــنها أَصوغُ حياةَ الشُّعوبِ
ومــــــــنـــــــهــــــا أُوزِّعُ للعــــــالمـــــيـــــن
ومـــنــهـا أَسـُودُ، ومـنـهـا أَجـُودُ
ومــــنـــهــا أُصــوِّرُ هــذا الوُجــودَ

 

وأُذكـــــي عــــلى قـــاتـليـهـا الحـُروبـا
طـــُهــرًا وأَنـشـرُ فـي الأرض طـيـبا
ومــــنــــهـــا أُقــارِعُ عــنــِّي الخــُطــوبــا
وأكــشــفــُ مـنـهـُ البـديـعَ العجيب

ويظهر في هذه الأبيات اعتداد الشاعر بشعره، وأنه يؤثر في هذه الشعوب التي تسمعه وتتذوقه حقًّا فيحييها، ويبعثها من سباتها الطويل بما فيه من الدعوة للثورة على الظلم والظالمين، وهو يوزع من شعره على العالمين طهرًا وينشر طيبًا، وهذا من أجمل ما يوصف به الشعرُ الهادف، ثم صوّر لنا كيف أن هذا الشعر ثروة حقيقة يسود بها ويجود منها على الناس، وأنه سلاح يدافع به عن نفسه وعن أمته المكلومة، ولا ينسى غاية مهمّة من غايات الشاعر المسلم وهي تصوير هذا الوجود العجيب الذي خلقه الله فأحسن خلقه.

ثم ينتقل الزبيري ليصف لنا تلك المعاني التي تسكن تلك القوافي، وأنها ليست على درجة واحدة؛ فمنها المعاني الشاردة التي لا تعطي قيادها أي أحد، وأنها تأتي مثل البروق لمحًا سريعًا قلّ من يقدر على صيدها، ولكنها إذا وقعت أحيت الموات، وأروت الجديب من النفوس. وصوّرها حين تلمس مهجته لمسًا رقيقًا فيتوثب القلب في الصدر توثبًا فرحًا لعثوره على هذا المعنى الشارد واقتناصه.

 وهناك نوع آخر من المعاني لم يسبقه لروعته إليه سابق، ولم يخطر على قلب أحد قبله كما يظنُّ، إذا خطرت على ذهنه اضطرب وفزع أن يفوته وسارع إلى تقييده.

 وهناك نوع آخر من الأبيات والمعاني الخالدة، إذا ولدت وخرجت للوجود فإنها تأبى الزوال وتستعصي على النسيان، وتبقى طيلة الحياة حية متجددة كأنها قيلت أمس، وما أكثر أمثال هذه الأبيات لشعراء العربية الكبار التي خَلَّدتهم وخَلَّدُوها.

وتأملوا كيف صوّر الزبيري شعوره -وهو الرجل المطارد من حكّام اليمن، الغريب في باكستان بعيدًا عن أهله ووطنه- عندما يقتنص مثل هذه الأبيات والمعاني الخالدة، وكيف أنه يحتقر شأن الموت بعدها، ولا يبالي به أن يأتي الآن أو متى شاء، وأنه يصنع بهذه الأبيات شعوبًا بأسرها، ويلقح منها عقول المتذوقين، ويزهو مفاخرًا بهذه الأبيات التي أنجبها تقوم له مقام الأولاد النجباء، وأنا أقول: بل أبقى ذكرًا من الأولاد النجباء، فأين هم اليوم وأين هي أبياته؟!

ومن المعاني ما يطوع لأول وهلة، ومنها النوافر المستعصية التي لا يقدر على التعبير عنها إلا نبي من الأنبياء.

ومــنـهـا الشَّواردُ مثل البروق
إذا لمــــســت مــهــجـتـي لمـسـة
ومـــنــهـا الأوابد لم تسكن الـ
إذا نــــزلت خـــاطــري فـزعـت
ومـــنـهـا المواليد تأتي الوجود
أراهــــا فـــأحـــقـر شـأن الردى
أخــــلف مــنــهـا لقـاح النـهـى
وأزهـــو بــهــا راضــيـًا مـعـجـبـًا
ومـــنـهـا المـطـايـا إذا اقـتـدتـهـا
ومــــنـــهـــا النـوافـر لا يـسـتـطـيــ

 

تـــحــيــي المــواتــ، وتــروي الجــديــبا
تـــــوثــــب قــلبــي بــصــدري وثــوبــا
ــعــــــقـــــول ولم تــــأوِ قـــط القـــلوبـــا
كـــوحــش يــواجـه مـصـرًا خـصيبا
فــــتـــأبــى الزوال وتــأبــى المــشــيــبــا
بــــــعــــيـــدًا أتـــى أم أتـــانـــي قـــريـــبـــا
وأصــــنـــع للأرض مـــنـهـا شـعـوبـا
لأنـــــي ولدتـــُ الكـــثـــيـــر النـــجــيــبــا
فــتــحــتــُ السـمـا وهـتـكـتُ الغيوبا
ــع إلا نـــــــبـــــي عـــــليـــــهـــــا ركــــوبــــا

ثم يصوّر الشاعر لنا بعد هذه المعركة مع القوافي أنه يقيّد الكثير منها، ولكن الأكثر يفلت من يده فلا يقدر عليه، وأنه يضع كلمات الرويِّ ويبني عليها الأبيات، ويشبه حروف الروي بالنطفة التي يتخلق منها الجنين، وهذا تشبيه رائع لا أعرف من سبق الزبيري إليه، ويصور كلّ بيت يكتبه بأنه لا يخرج إلا بعد معاناة وجراح ونزف دماء، وكأنه يتخيل ولادة المرأة لطفلها، ومعاناتها في ولادة هذا الطفل، فيقول:

وأكـــثــرهــا مـفـلت مـن يـدي
حـــروف الرويّ بـــهــا نــطــفــة
يـضـمـخه الجرح من مهجتي

 

يـغـيـب ولا يـشـتـهي أن يغيبا
تــــرعـــرع بـــيـــتـــًا عــريــقـًا نـسـيـبـا
ويــخـرجـه مـن دمـاءٍ خـضـيـبـا

ثم يصوّر الزبيري كيف أن القافية تحدد بحرها اللائق بها أحيانًا دون شعور من الشاعر واختيار، وكيف تسكن تلك القوافي التي تشبه الدرّ الأصيل في ذلك البحر الشعري، وكيف تتحمل تلك القوافي معاني ثقيلة ثقل الجبال لما تحمله من سمو ونقاء ومسؤولية، وكيف أن المعاني تطلب القوافي المناسبة لها، وتذوب في طيها، وهذه من النظريات الشعرية التي أكثر الأدباء من الحديث عنها في كتب النقد الأدبي.

وقـافـيـة تـبـتغي في البحورِ
ووزن تـحمَّل ثقلَ الجبال
ومــعــنـىً يـسـيـر إلى لفـظه
وكــــلٌّ له مــــوضــــع مـــُعــلَم
يـــســـارع كـــلٌّ إلى شــكــله

 

دُرًّا أصـــيـــلًا وصـــيـدًا جـليـبـا
يــُقــســّم فــي طـيـه أن تـذوبـا
ولفــظـٌ لمـعـنـاه يـجـري دؤوبـا
يــــؤول إليــــه رشــــيـــدًا لبـــيـــبــا
ويـطـلب كـلُّ ضريبٍ ضريبا

ثم يصوّر عقله في هذه اللحظات الغريبة التي تتصارع فيها المعاني والقوافي والبحور والمشاعر في نفسه، وكيف يبدو وكأن به مسًّا من الجنّ لمن لا يعرفه، فهو يصمت أحيانًا، ويتكلم أحيانًا، بل ويصيح أحيانًا، وأنه لولا معرفته بمثل هذه الأعراض التي تعرض للشاعر المبدع لظنّ الناظر إليه أنه مريض، فيقول:

كـــــــأنـــــّ بـــــعـــــقــــلي لهــــا جــــنــــةً
نـواميسُ يسعى إليها الكلامُ
أســـــلّمــــُ نــــفـــســـى لهـــا ذاهـــلًا
وأصـــــمــــتــــُ مــــســــتــــمـــعـــًا تـــارةً
ولولا اهـــتــدائــي لسـرِّ النـُّبـوغـِ
ومــــا كـــان عــقــلي أجــيــرًا لهــا
ولكـــــــــنـــــــهـــــــا قـــــــدر غـــــــالب
كــذاك طبعت، ومن يستطيـ

 

يــــلاقـــي بـــهـــا كـــلُّ صـــبــٍّ حـبـيـبـا
ويـــبـــغــي لهــُ مــن خــُلودٍ نــصـيـبـا
حــريـصـًا عـليـهـا بـشـوشـًا طروبا
وأصــرخـُ حـيـنـًا عـبـوسـًا غـضـوبـا
وأعـــــراضــــهــــِ لطــــلبــــتــــُ الطـــبــيــبــا
ولا كـــنــتــُ مـنـهـا لكـسـب طـلوبا
قـضى أن أكون فكنت الأديبا
ـــــــع مــن طـبـعـه موئلًا أو هروبا

ثم يختم بخاتمة رائعة معبرة، يبيّن فيها حبه الشديد للشعر وتعلقه به، وأنه يحيا به بين الناس في زمان القهر والظلم والطرد من الوطن، وأنه يملك بين جنبيه روحًا متوثبة طفوليَّة الآمال، تمنعه أن يشيب، ولكنَّه شعر أن الشيب على مفرقه قد فضحه أمام الناس؛ فاستدرك قائلًا: لا تصدق هذا المشيب الذي بمفرقي فإنه شيب كذوب كالناس الذين أصبح الكذب شعارًا لهم. وما أجمل هذه الجملة الاعتراضية في البيت «فقد صار -كالناس- لونًا كذوبًا»، ثم يختم بأبياته المشهورة في غناه بشعره، وأنه أغنى من كلّ من يظنه فقيرًا طريدًا سليبًا، فيقول:

أحــــبـــّ القـــريـــض وأحـيـا بـه
وروحــُ الطـفـولةِ فـي نـزعتي
وأمـا البـيـاضُ على مفرقي
خــذوا كــل دنـياكمُ واتركوا
فــــإنـــي أضــخــمــكــمــُ دولةً

 

مـــع الهـــول طـــفـــلًا ضــحـوكـًا لعـوبـا
وفـــــنــــي ســــتــــمــــنــــعـــنـــي أن أشـــيـــبـــا
فــقـد صـارَ -كـالناسِ- لونًا كذوبا
فــــــــؤادي حـــــــُرًّا وحـــــــيـــــــدًا غــــــريـــــبـــــا
وإن خـــــلتـــــمـــونـــي طـــريـــدًا ســـليـــبـــا

 وقد استطاع الزبيري حقًّا أن يصور تلك اللحظات التي يمرّ بها الشاعر عندما يكتب قصيدة من القصائد، والشعراء يتفاوتون في هذه المشاعر والخطوات بحسب إبداعهم وقدراتهم الشعرية، وبحسب المناسبة التي يكتبون فيها القصيدة والمعاني التي يريدون التعبير عنها، والزبيري شاعر اليمن كان يتنزى ألمًا وحرقة على وطنه ومصيرهم، ولذلك كان شعره مرآة تعكس كلّ هذه المشاعر الوطنية الصادقة.

 رحم اللهُ محمد محمود الزبيري وأحسن إليه؛ فقد أحسن إلينا بهذه القصيدة الرائعة نترنم بها في خلواتنا كما كتبها في خلوته في ذلك الكوخ البعيد في باكستان.