الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

تأملات في شوارد الأبيات (2)

تأملات في شوارد الأبيات (2)

قال المهذب بن الزبير[1]:

يـــا ربـــعُ أيـــن تــرى الأحـبـة يـَمـَّمـُوا
نـــزلوا مـــن العـــيـــنِ الســـوادَ وإنْ نـأوا
رحلوا وفـــي القــلبِ المــُعــنـَّى بـعـدهـم
وســـروا وقـــد كــتــمـوا المـسـيـرَ وإنـمـا
وتـعـوضـت بـالإنـس روحـي وحـشةً
لولاهــــــم مـــا قـــمـــت بـــيـــن ديــارهــم
لا تــــبــعــثــوا لي فــي النــســيــم تــحـيـةً
إنــي امــرؤ قــد بــعــت حظي راضيًا
فــــــســــــلوت إلا عـــنـــكـــم، وقـــنــعــت
مــا كــان بــعــد أخــي الذي فــارقــتـه

 

هـل أنـجـدوا مـن بـعـدنا أم أتهموا؟
ومــن الفــؤاد مــكــانَ مــا أنـا أكـتـمُ
وجـــدٌ عـــلى مـــَرِّ الزمـــان مــــــخــيــمُ
تــســري إذا جــنَّ الظــلامُ الأنـجـمُ
لا أوحــــش اللهــــُ المـــنــازل مــنــــــهــمُ
حــــيــــران أســـتـــاف الديـــار وألثـــــــمُ
إنـــي أغـــار مـــن النــسـيـم عـليـكــــــمُ
مـــن هــذه الدنــيـا بـحـظـي مـنـــــــكـمُ
إلا مــنــكــم، وزهــدت إلا فـيـــــــكـمُ
ليــــبــــوح إلا بــــالشــــكــــايــة لي فـــــــــمُ

وهي قصيدة بديعة صادقة، وخير الشعر أصدقه لا أكذبه!

ومن أكثر ما راقني من هذه القصيدة البيت الثاني، حيث أعجبني فيه معانٍ ثلاثة:

أولها: قوله: «نزلوا من العين السواد»، وسواد العين أغلى ما فيها، فأحلهم الشاعر فيه.

الثاني: استدراكه على قوله هذا بقوله: «وإن نأوا»؛ فقد جاء هذا الاستدراك في غاية المودة والصدق والوفاء، يقول: حتى وإن ذهبوا فمحلهم سواد العين. ولله ذلك الحب الصادق!

الثالث: قوله: «ومن الفؤاد مكان ما أنا أكتم»؛ أي أنه أنزل أحبابه في المكان الذي يستودع فيه أسراره ويكتمها، فهل تعلمون أين هو هذا المكان؟ وهل يعلم أحدكم مكانًا أخفى من هذا المكان تكون فيه المحبة؟ أما أنا فلا أعلم أحصن ولا أدق من هذا الموضع، وقد قادني حسن المعنى في هذا البيت إلى تتبع شعر المهذّب، ورُبّ بيت قاد إلى ديوان، ورب قصيدة زهدتك في مكان أو زمان أو إنسان!

 

[1] ترجمته في معجم الأدباء (9 /47) طبعة أحمد فريد رفاعي، دار المأمون، وهي طبعة بديعة مبنية على طبعة مرجليوث، وهي خير طبعات الكتاب.