الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

تأملات في شوارد الأبيات (3)

تأملات في شوارد الأبيات (3)

قال جمال الدين بن يحيى بن مطروح:

هـي رَامةٌ فــخـُذوا يــَمـينَ الوادي
وحـذارِ مِنْ لَحَظاتِ أَعْيُنِ عيْنِها
مـــَنْ كـــان مــِنــكــم واثــقـًا بـِفـُؤادهِ

 

وذَروا السيوفَ تَقَرُّ في الأَغمادِ
فـــَلَكـــَمْ صـَرَعـْنَ بـِهـا مـِن الآسـادِ
فـــهـــنـــاكَ مـــا أَنـــا واثــقٌ بــِفـُؤادي!

ما أجمل هذه الأبيات الثلاثة، وقد راقني منها البيت الثالث خاصة، ولي معه الوقفات الآتية:

أولًا: إن العاشقَ الصادقَ، والمُحبَّ الوامقَ، لا يُكابرُ في فعلِ الحُبِّ بهِ وبقلبهِ؛ ففؤادهُ ضعيفٌ لا يقوى على الصبر، وهو لا يثق بقلبهِ إذا مَر بِــ(المَجالِ المغناطيسي) للمحبوب، فهو يَخشى لذعةَ الوجدِ، وصَدمة الغَرامِ، على حَدِّ قول الشاعر المبدع الآخر صُرَّ دُرٍّ وهو يتحدث عن نَجدٍ وعن انتشارِ أمراض الغرام في أجوائها، واختلاطه بترابِها، حتى لا يَنْزلها أحدٌ ويُمسي إلا وهو مصابٌ بهذا الداء العضال:

النَّجاءَ النَّجاءَ مِنْ أرضِ نَجدِ
إِنَّ هـــذا الثـــَّرى لَيـــُنــبــتُ وجــدًا
كـــــمْ خــَليٍّ أتـــى إليــــها وأَمسى

 

قـــبـــلَ أنْ يـــعـــلقَ الفــؤادُ بــوَجــْدِ
فـي حـَشـا مَيّتِ اللُّباناتِ صَلْدِ
وهــو يــهــذي بــِعـَلوةٍ أَو بـِهـِنـْدِ!

وكثير من الشعراء يكابر في صنع الحبّ به وبقلبه، وهذا من باب قول أبي ذؤيب الهذلي: (وتجلدي للشامتين ...) لا من الصدق في الحب. وقد كان الشاب الظريف محقًّا حينما صاح في العاشقين رحمة بهم من الصراع النفسي فقال:

لا تــُخــْفِ مـا صنعتْ بكَ الأشواقُ
فلقدْ يُعينكَ مَنْ شكوتَ له الهوى

 

واشـرحْ هـَواكَ فـكـلُّنـا عـُشَّاقُ
فـي حـَمْلِهِ، فالعاشقونَ رفاقُ

ثانيًا: أن الصادقين يتشابهون في مواردهم وتعبيراتهم ومشاعرهم، فهذه المعاني قد وردت كثيرًا في شعر الشعراء، وإذا فتّشت في شعرهم وجدت لها أخوات من الصور والتعابير، فعندما يكتب الأديب والشاعر ويصوّر عواطفه ومشاعره فإنه إنما يصوّر مشاعر الآخرين وعواطفهم أيضًا، ولذلك نحب قراءة ما يكتبه الأدباء في أشعارهم وآثارهم لأننا نجد فيها شيئًا منا.

ثالثًا: قوله: «فهناك ما أنا واثق بفؤادي!» وكأنه مع رفقته التي تنوي السفر، والمرور على ديار المحبوبة، وهم يجادلونه في مرافقتهم، وهو يتمنع عن مرافقتهم، ويقول لهم:

من كان منكم واثقًا بفؤاده

 

فهناك ما أنا واثق بفؤادي!

وكأنه يقول: ربما أنتم تثقون بأفئدتكم، أما أنا فلا أثق بفؤادي وقد جربته! اتركوني، فيذهبون ويتركونه يبكي على شجونه.