الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

تأملات في شوارد الأبيات (4)

تأملات في شوارد الأبيات (4)

قال العلاء بن حذيفة الغنوي:

يــقــولونَ: مــَنــْ هــذا الغـَريـبُ بأَرْضِنا؟
غَريبٌ دعاهُ الشَّوقُ، واقتادَهُ الهَوَى
ومــاذا عــليــكــمْ إِنْ أَطــافَ بـِأَرْضـِكـُمْ
أُمــــــــَشــــِّي بــــأَعْـــــــطــانِ المــِيــاهِ وأَبــْتــَغــي

 

أَمــــا والهــــَدايــــا إِنــــَّنــــِي لَغـــَريـــبُ
كـمـا قـِيـْدَ عَودٌ بالزّمامِ أَديبُ
مُطالِبُ دَيْنٍ أَو نَفَتْهُ حُروبُ
قــلائــصَ مــنـها صَعْبَةٌ ورَكُوبُ

لله در هذا الشاعر الرقيق، كيف وضع يدَ الذَّوقِ على موضعِ الإبداع بأيسر طريق، وقد راقني البيت الثاني؛ كيف استطاع في بيت واحد أن يذكر صفته، وسبب خروجه من بلده وقدومه لهذا المكان دون غيره، ثم تشبيهه لنفسه بالعَوْدِ المؤدب، ولكلٍّ منها وقفة تأمل:

1- في قوله «غريبٌ» استدعاء لكلِّ ما تدلّ عليه هذه الكلمة من البعد عن الأهل والوطن، وما تستدعيه من الشفقة والترفّق بالغريب، فهو لا ينكر غربته، وإنما يؤكدها طلبًا لما يحتاجه الغريب، بل ويقسم في البيت السابق إنه كذلك «أما والهدايا إِنَّنِي لَغَريبُ».

2- وفي قوله: «دَعاه الشوقُ» إشارة منه إلى أنه قد جاء تلبية لدعوة مُلِحّة لم يستطع مقاومتها، فكأنه معها كحال الصارخ مع الصريخ لا يملك إلا تلبيته، والخفوف لإجابة دعوته.

3- وفي قوله: «واقتاده الهوى» إمعان في الإشارة إلى أنه مغلوب على أمره، فليس مدعوًّا فحسب بدعوةٍ خَفَّ لتلبيتها، وإنما قيَّدهُ الهوى الصادقُ المُبَرِّحُ بسلاسلهِ، فلم يزل يرسف في تلك القيود حتى أحله هذا الموطن، فهو في أول أمره خفّ تلبية للدعوة، ولكن داعي الشوق لم يقنعه ذلك حتى أغرى به الهوى فقيده بقيده، فهل رأيتم كحال هذا الأسير يا سادة؟!

4- وفي قوله: «كما قِيْدَ عَودٌ بالزمامِ أَديبُ» هل تعلمون ما هو العَوْدُ؟ إنه الجَمَلُ المُسِنُّ الذي لا تزال فيه بقيةٌ من نشاط، وقد صوَّره هنا بأنه قد قِيْدَ بالزمامِ فانقاد لأَدبهِ وطاعتهِ لصاحبه الذي يقوده، وهو هنا الهوى الذي قاده. وكأَنِّي به وقد شبَّه نفسَه بذلك الجَمَلِ الوقورِ المُسِنِّ المطيعِ، يرمي إلى أَنَّهُ صادقُ الحُبِّ، وقورُ الوُدِّ، لم تأتِ بهِ نَزغةُ حبٍّ كاذبة كما يصنعُ قليلو الحياءِ وعديمو الضمير من هتكة أعراض العفائف، وإِنَّما هو ذلك الحبُّ الصادقُ الذي يقتادُ مِثلَهُ في حلمهِ وأناته، ويمنعه عفافه وحياؤه أن يبين عن حاجته أو يصرح بطلبته.

وحسبي هذا من هذه الأبيات الأربعة البديعة، وتأملها يذهب بك بعيدًا إلى تلك الأجواء البدوية التي قيلت فيها، حيث لا تعرف المشاعرُ إلا الصدق ، وإن حاولت الكذب لم تهتد إليه!